حفتر يبعث برسائل مُتعددة العناوين للسلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا

تزامن المناورات العسكرية شرق ليبيا مع اجتماع رئيس المجلس الرئاسي تحمل إشارات تستهدف تنظيم الانتخابات في موعدها ورسم خطوط المرحلة الانتقالية.
الأربعاء 2021/03/31
تحرك مدروس

المناورات التي قام بها الجيش الليبي في شرق البلاد خلال الأيام الماضية مثلت فرصة لقائد الجيش المشير خليفة حفتر لبعث العديد من الرسائل إلى رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي ورئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة. وقد تزامنت هذه المناورات مع أول اجتماع يعقده المنفي بصفته قائدا للجيش الليبي في العاصمة طرابلس، وذلك في وقت تنكب فيه السلطة الانتقالية على هدفها الأبرز وهو تنظيم الانتخابات في موعدها المقرر في الـ24 من ديسمبر المقبل.

تونس- بعث قائد الجيش الليبي المشير خليفة حفتر برسائل مُتعددة العناوين إلى السلطة التنفيذية الجديدة في بلاده التي يقودها رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، ورئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة، حملتها المناورات العسكرية الكبيرة التي جرت في شرق البلاد.

وتزامنت هذه المناورات التي حضرها حفتر ورؤساء هيئات أركان الجيش الليبي وعدد من كبار ضباطه، مع عقد رئيس المجلس الرئاسي بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، اجتماعه الأول مع عدد من الضباط بمكتب القائد الأعلى بطرابلس.

وعكس هذا التزامن الذي ترافق مع تصاعد عمليات الاغتيال في غرب ليبيا، الكثير من المعاني الدالة على استمرار انقسام المؤسسة العسكرية، وتواصل الانفلات الأمني، وانعكاسات ذلك على مجمل المسار الانتقالي في البلاد، لاسيما في هذه المرحلة التي لا تُخفي فيها حكومة الدبيبة حجم التحديات التي تواجهها للإيفاء بتعهداتها، وخاصة منها تنظيم الانتخابات في موعدها المُحدد.

وقال اللواء أحمد المسماري الناطق باسم الجيش، “إن كتيبة دبابات للواء 106 مُجحفل، نفذت تمرينا تعبويا يحاكي القيام بالهجوم لصد هجوم معاد على منطقة افتراضية، شاركت فيه طائرات مقاتلة، ووحدات الدفاع الجوي، وفصائل من قوات الصاعقة، وأفراد المظلات الذين قاموا بإنزال خلف خطوط العدو، لتدمير أهداف مختارة في مقرات القيادة والسيطرة”.

خالد مازن: وزارة الداخلية شريك أساسي في إنجاح العملية الانتخابية

وأشار إلى أن حفتر الذي حيّا الضباط وضباط الصف والجنود المشاركين في التمرين على نجاح الوحدات في تنفيذ المهام والواجبات التي اعتمدت في الخطة التعبوية العامة للتمرين، أكد في ختام هذه المناورات على ضرورة رفع المستوى القتالي للتمارين التعبوية من كتيبة إلى لواء ومن لواء إلى فرق عسكرية.

وأثار توقيت تنفيذ هذه المناورات الكثير من التساؤلات حول الرسائل المحمولة بين طياتها، ومن خلف عملية استعراض القوة التي رافقتها من خلال الصور المُتعددة التي تم ترويجها، خاصة وأنها جاءت فيما كان محمد المنفي يجتمع في مقر القائد الأعلى للقوات المسلحة بعدد من الضباط في العاصمة طرابلس.

ووفقا للمكتب الإعلامي لرئيس المجلس الرئاسي، فإن المنفي “عقدالاثنين بصفته القائد الأعلى للجيش الليبي، اجتماعه الأول بمكتب القائد الأعلى بطرابلس، حضره الفريق أول ركن محمد علي الحداد، وعدد من أعضاء الكادر الإداري والقانوني والمالي بمكتب القائد الأعلى”.

وتعمد بيان المكتب الإعلامي لرئيس المجلس الرئاسي الليبي، تجاهل المناورات العسكرية التي كانت تجري في شرق البلاد، حيث اكتفى بالإشارة إلى أنه تم خلال هذا الاجتماع “استعراض عدد من الملفات ذات العلاقة بالتنظيم والإدارة”.

ومع ذلك، رأى مراقبون أن هذا التزامن يؤشر إلى واقع لا يمكن تجاهله، بالنظر إلى ما يتضمنه بين سطور رسائله من إشارات تستهدف رسم خطوط المرحلة الانتقالية، لاسيما في هذه الفترة التي بدأ فيها استحقاق تنظيم الانتخابات الليبية يتحول إلى ما يُشبه الهاجس الذي بات يؤرق حكومة الوحدة الوطنية.

وتُظهر التطورات السياسية أن حكومة الدبيبة أصبحت كأنها تُسابق الوقت للإيفاء بالتعهدات التي سبق أن التزمت بها، خاصة منها تنظيم الانتخابات العامة في موعدها الذي حددته خارطة الطريق المُنبثقة عن تفاهمات اتفاق جنيف السويسرية، أي في الـ24 من ديسمبر القادم.

وسيطر هذا الهاجس على مختلف التحركات والاتصالات التي يُجريها المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى ليبيا يان كوبيتش والفريق الحكومي الجديد، في مسعى لإيجاد المناخ الملائم لتنظيم هذا الاستحقاق الذي يُفترض أن يُتوج بنتائجه المرحلة الانتقالية التي دخلتها ليبيا.

ويُعد هذا الاستحقاق واحدا من أبرز التحديات التي تُواجه حكومة الدبيبة، ليس فقط لأن الوقت أصبح ضاغطا بشكل واضح، وإنما أيضا نتيجة عدم استعداد غالبية القوى الليبية لخوض غمار هذه الانتخابات، لاسيما في ظل استمرار سطوة الميليشيات بسلاحها المُنفلت، الذي عكسته عودة التصفيات الجسدية في غرب البلاد.

وشهدت مدن غرب ليبيا خلال الأيام القليلة الماضية عمليات اغتيال تم خلالها قتل عدد من أفراد الميليشيات، منهم محمد سالم دمونة القيادي بـ”لواء الصمود” الذي يقوده صلاح بادي، الذي تمت تصفيته الاثنين في العاصمة طرابلس رميا بالرصاص.

كما قُتل أسامة ميلود كوكو من كتيبة “الخضراوي” الناشطة في مدينة الزاوية، في كمين مُسلح نصبه له مجهولون الثلاثاء وسط مدينة الزاوية، فيما شهدت منطقة وادي الربيع جنوبي العاصمة طرابلس الأسبوع الماضي اغتيال وليد كشيدان المنتسب للشرطة.

وألقت هذه التطورات بثقلها على تحركات واتصالات الفريق الحكومي الجديد، وسط تزايد الشكوك في إمكانية تخطي كافة العقبات التي تُعرقل طريق الوصول إلى الموعد المُحدد لإجراء الانتخابات القادمة، وهو ما يتضح من خلال الاجتماع الذي عقده مساء الاثنين المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى ليبيا يان كوبيتش مع وزير داخلية حكومة الوحدة الوطنية العميد خالد مازن.

هذا التزامن الذي ترافق مع تصاعد عمليات الاغتيال في غرب ليبيا عكس الكثير من المعاني الدالة على استمرار انقسام المؤسسة العسكرية وتواصل الانفلات الأمني

وقال المكتب الإعلامي لوزارة الداخلية الليبية في بيان له، إن العميد خالد مازن أكد خلال هذا الاجتماع جاهزية وزارة الداخلية الليبية لتأمين الانتخابات، وإن الوزارة لديها القدرة والخبرة لتأمينها، ولها خطة واقعية واضحة المعالم بهذا الشأن، بينما شدد المبعوث الأممي على أهمية توفير المناخ الملائم لإجراء العملية الانتخابية في ديسمبر من هذا العام.

وقبل ذلك بساعات اجتمع كوبيتش مع رئيس مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات في ليبيا عماد السايح واستعرض معه التحضيرات الفنية واللوجستية لمفوضية الانتخابات الليبية، ومستوى جاهزيتها في ما يتعلق بالبنية التحتية لإجراء الانتخابات في موعدها، إلى جانب بحث الدعم الدولي الذي يُفترض أن يُقدم للمفوضية لإتمام هذا الاستحقاق بما يُساهم في استكمال مراحل المسار الديمقراطي في البلاد.

وأعرب المبعوث الأممي خلال هذا الاجتماع، عن تقديره لكل الجهود الوطنية والدولية التي ساهمت في تحقيق وحدة ليبيا وسيادتها واستقرارها، مؤكدا في نفس الوقت على أهمية الدور الذي تقوم به مفوضية الانتخابات الليبية في المرحلة القادمة، وما يترتب عليها من التزامات وطنية.

وقبل ذلك، أكد وزير الداخلية في حكومة الوحدة الوطنية العميد خالد مازن استعداد وزارته لتأمين الانتخابات المقبلة، حيث أشار في كلمة له ألقاها بمناسبة تخريج دورة تدريبية ثانية في مجال الأمن الانتخابي، إلى أن وزارته “شريك أساسي في إنجاح العملية الانتخابية بالتعاون مع المفوضية الوطنية للانتخابات”.

ولفت إلى أن وزارته شرعت في تنفيذ “برنامج تدريبي لأعضاء هيئة الشرطة والأمن للرفع من كفاءتهم في مجال تأمين الناخبين وتهيئة الظروف الملائمة لتحقيق هذا الاستحقاق”، داعيا في نفس الوقت إلى حشد الدعم وبذل كافة الجهود حتى يتم إنجاح الانتخابات القادمة.

لكن إشادة المبعوث الأممي، وما سبقها من تأكيدات وزير الداخلية الليبي، لم تُبدد الشكوك والمخاوف من تأجيل هذه الانتخابات التي عكستها الكثير من التصريحات والمواقف، منها تلك الصادرة عن عبدالحميد الكزة رئيس “الهيئة البرقاوية” الذي دعا في تدوينة نشرها الاثنين إلى “الاستعداد للقيام بوقفات في جميع الساحات والميادين وفي كل المدن للتعبير عن رفض تأجيل الانتخابات مهما كانت الأسباب”.

و”الهيئة البرقاوية” التي تأسست في يونيو من العام 2019، هي هيئة اجتماعية سياسية تهدف إلى الحفاظ على اللحمة الوطنية والنسيج الاجتماعي في برقة بشرق ليبيا خاصة وليبيا عامة، وتوحيد جهود أبناء الوطن من أجل المشاركة الفعالة في حوار مجتمعي واسع لا يقصي أحدا، يؤدي إلى مصالحة كاملة وتعايش سلمي.

كما تدعو إلى تأسيس دولة مدنية يتساوى الليبيون فيها في الحقوق والواجبات، ومبنية على الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وتقف ضد محاولات تدمير النسيج الاجتماعي، وبث الفتنة والفرقة بين أبناء الوطن الواحد.

وبالتوازي، حذر حسن الصغير الوكيل الأسبق لوزارة الخارجية الليبية، من الدعوات الرامية إلى تأجيل الانتخابات الليبية بشقيها الرئاسي والبرلماني المقررة في ديسمبر القادم، تحت عناوين مُختلفة، وخاصة منها بدعوى إجراء استفتاء على الدستور قبل الذهاب إلى هذا الاستحقاق الانتخابي.

وقال في تدوينة نشرها الاثنين في صفحته الرسمية على شبكة التواصل الاجتماعي فيسبوك:

وخلال الأيام القليلة الماضية، ارتفعت أصوات تُنادي بضرورة تنظيم استفتاء شعبي على مشروع الدستور الذي أقرته هيئته التأسيسية قبل نحو 4 أعوام، يسبق تنظيم الانتخابات العامة، الأمر الذي دفع إلى بروز حراك “من أجل 24 ديسمبر” الذي يصف تلك الأصوات بأنها محاولات لتعطيل إجراء الانتخابات في موعدها.

وأمام هذا الوضع، يُجمع المراقبون على أن مهمة السلطة التنفيذية الليبية الجديدة تبدو صعبة للغاية، ذلك أن إجراء انتخابات حرة ونزيهة يتطلب أولا تفكيك عوامل إرباكها من الداخل، وذلك من خلال إنهاء وجود الميليشيات وضبط الأمن، وثانيا غلق الباب في وجه التدخل الخارجي الذي يستهدف إفساد مسار الانتقال الديمقراطي في البلاد.

4