حفرة المهرجان

الأربعاء 2015/09/02

تفتتح مساء اليوم الدورة الـ72 من مهرجان فينيسيا (البندقية) السينمائي بمشاركة عشرات الأفلام داخل وخارج المسابقة في برامج وأقسام المهرجان الذي يعدّ الأعرق في العالم.

ومرة أخرى ستقام فعاليات المهرجان في جزيرة الليدو وعلى شاطئها الهادئ الذي عرف كمصيف للأرستقراطية الإيطالية في الماضي، وخلده فيسكونتي في فيلمه الشهير “الموت في فينسيا” (1971).

ومع ذلك شهدت الليدو خلال السنوات الأخيرة الكثير من المتغيرات السريعة القاسية التي يمكن لمن يتابع المهرجان من سنوات بعيدة أن يلحظ تأثيرها.

كان فندق “ديبان” (أي الحمامات) المواجه للبحر مباشرة ويتمتع بشاطئ خاص، قد أغلق قبل خمس سنوات وبيع لشركة عقارية قامت بتقسيمه وتحويل مبناه الباروكي العريق الذي ينتمي إلى عمارة القرن التاسع عشر، إلى مجموعة من الشقق السكنية الحديثة للأثرياء.

ولو عاد فيسكونتي إلى الحياة لتحسر على مصير ذلك الفندق الذي شهد الكثير من الأمجاد في الماضي، وكان قد صور فيه جانبا كبيرا من مشاهد “الموت في فينيسيا”، كما حل به كبار نجوم السينما العالمية ضيوفا، مثل كلارك غيبل وأنطوني كوين وصوفيا لورين وبيرت لانكستر وغيرهم.

وكان لي لقاء طويل مع المخرج المصري الراحل صلاح أبو سيف في رواق ذلك الفندق العريق عام 1986، عندما جاء إلى المهرجان الذي خصه باحتفالية خاصة في تلك السنة، وعرض بعضا من أفلامه القديمة إلى جانب فيلمه الأحدث وقتها، أي فيلم “البداية”.

ومع إغلاق الفندق انتهى عصر كامل من تاريخ المهرجان الذي مازال مقره الرئيسي هو “قصر المهرجان” والذي أقيم عام 1937، ويضم قاعة العرض السينمائي المعروفة بـ”صالة غراندا” (أو القاعة الكبرى) التي سيقام فيها حفل الافتتاح الليلة.

المدير السابق للمهرجان، ماركو موللر، كان قد أعلن قبل سبع سنوات عن إقامة منشآت جديدة للمهرجان بما فيها قصر جديد أكثر رحابة، يتم تجهيزه بأحدث ما جادت به التكنولوجيا الرقمية الحديثة، وقد خصص المهرجان قطعة أرض تبلغ مساحتها عشرة آلاف متر مربع بالقرب من القصر القديم، لإقامة تلك المنشآت الجديدة التي كانت ستكفل نقل المهرجان نقلة كبرى إلى المستقبل.

وفي المقابل بدأت الشركة التي تتولى التنفيذ بحفر الأرض، ثم توقفت بعد أن عثر المهندسون على كمية متناثرة تحت الأرض من معدن الأسبستوس الضار بالصحة، وظلت تلك الحفرة الهائلة قائمة حتى يومنا هذا، بعد أن غطيت بعض أجزائها البارزة تحت الأرضية بلفائف من البلاستيك.

أصبح موقع المهرجان بالتالي من أغرب مواقع المهرجانات في العالم، فعلى اليمين في مواجهة البحر، يقع القصر القديم ويمتد أمامه البساط الأحمر الذي يسير عليه مشاهير النجوم من آل باتشينو وكيت بلانشيت وكيرا نايتلي وهيلين ميرين وبراد بيت وغيرهم، وتمتد سهرات الجمهور حتى مطلع الصباح، وتصدح الموسيقى وتواكب شاشات التلفزيون العملاقة فعاليات المهرجان بعرض لقطات ومشاهد منه للجمهور المحتفل.

وعلى الناحية الأخرى، تمتد الحفرة التي يمكننا أن نطلق عليها “حفرة المهرجان” تيمنا بما سبق أن أطلق عليه صنع الله إبراهيم في روايته الشهيرة “اللجنة” (حذاء اللجنة)، وداخل الحفرة تلمع تلك الأجسام الممددة الملتفة في البلاستيك الأبيض، كما لو كانت توابيت من عصور الأقدمين.

هذا المشهد قائم منذ سنوات، فمتى يمكن أن يحسم الإيطاليون أمرهم ويردمون تلك الحفرة الكئيبة المحاطة بسياج سميك من الخشب، ولماذا لم يفعلوا ذلك حتى الآن؟

سؤال لا يبدو أن أحدا يملك الإجابة عنه، فنحن في إيطاليا، والواضح أن “دماء الحفرة” تفرقت بين قبائل النقابات والبلدية والأحزاب والحكومة.. ولكن أهم من هذا كله أن السينما مستمرة.. والحفرة أيضا.

كاتب وناقد سينمائي من مصر

16