حفر الخنادق يمهد لفرض الحدود الجديدة لكردستان المستقل

شروع سلطات إقليم كردستان العراق في حفر خندق يشمل مناطق متنازع عليها مع السلطات الاتحادية سواء كانت أهدافه أمنية أو سياسية، لا يضيف جديدا بشأن تأكيد النوازع الاستقلالية الكردية التي سبق أن عبر عنها رئيس الإقليم مسعود البارزاني تصريحا لا تلميحا، لكن الجديد هو فرض حدود جديدة للإقليم بشكل أحادي.
الثلاثاء 2016/01/12
خنادق في الأرض وأخرى في أروقة السياسة

كركوك (العراق) - أثار شروع سلطات إقليم كردستان العراق في حفر خندق يمتد من قضاء سنجار في شمال غرب مدينة الموصل مركز محافظة نينوى بشمال البلاد إلى قضاء طوز خورماتو بجنوب شرق محافظة كركوك، شكوكا في أن قيادة الإقليم شرعت عمليا في رسم حدود كردستان المستقلّ من جانب واحد تمهيدا لفرضها كأمر واقع على حكومة بغداد المنشغلة بمعالجة الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية المستفحلة.

ورسّخت تلك الشكوك، مجاهرة القيادة الكردية ممثلة خصوصا برئيس الإقليم مسعود البارزاني بنوازعها الاستقلالية، حيث شجعّت الظروف الطارئة في العراق بعد سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من أراضيه، ودور البيشمركة في وقف زحف التنظيم على المزيد من المناطق، البارزاني على القول في أكثر من مناسبة إن الوضع بعد الحرب على داعش لن يكون مثل ما قبلها، وأنّ حدود الإقليم ترسم بالدم، مؤكّدا إصراره على تنظيم استفتاء شعبي بشأن استقلال الإقليم.

ويفهم كلام البارزاني باعتباره إشارة إلى أنّ قوات البيشمركة لن تنسحب بعد نهاية الحرب على داعش من المواقع التي تسيطر عليها أو قد تستعيدها من يد التنظيم وخصوصا في المناطق المتنازع عليها وتحديدا محافظة كركوك الغنية بالنفط.

وتقول جهات كردية إن عمليات حفر الخنادق ذات طابع عسكري أمني محض على صلة بالمواجهة التي تخوضها قوات البيشمركة ضدّ تنظيم داعش، لكن جهات عراقية تتمسّك بأن الأمر يتعلّق بفرض حدود جديدة للإقليم تشمل المناطق المتنازع عليها وخصوصا منطقة كركوك الغنية بالنفط.

واتهمت كتلة بدر النيابية الشيعية أمس في بيان صادر عن رئيسها قاسم الأعرجي سلطات إقليم كردستان العراق باتباع “سياسة الأمر الواقع”، معتبرة أن “المناطق المتنازع عليها تم احتلالها في ظروف عصيبة واستغلال المؤامرات الخارجية وانتشار داعش ولا يمكن الاستمرار على هذا الحال”، فيما اعتبر النائب بالبرلمان العراقي عن ائتلاف دولة القانون جاسم محمد جعفر “أن إقليم كردستان يقوم بحفر خندق لترسيم حدوده”.

وتتسع دائرة معارضي النوازع الاستقلالية لرئيس إقليم كردستان العراق لتشمل رموز وقادة أحزاب شيعية عراقية على خلاف سياسي مع الرجل المحسوب ضمن حلفاء تركيا بينما هم من حلفاء إيران، ولتشمل أيضا قادة أقليات تخشى استيلاء الأكراد على مناطقها.

وقال رئيس الجبهة التركمانية النائب أرشد الصالحي “نحن ننظر إلى هذا الخندق بأنه فعل مشبوه”.

وأضاف أن “الخندق يبدأ من حدود منطقة ربيعة وصولا إلى قضاء طوزخورماتو والعبور إلى مناطق ديالى وصولا إلى حدود قضاء خانقين”.

وتقع بلدة ربيعة على الحدود العراقية السورية وتبعد عن مدينة خانقين التي تقع على الحدود الإيرانية نحو 400 كليومتر.

ويعد التركمان أكبر الأقليات في العراق وتقع معاقلهم في مناطق متنازع عليها بين بغداد وأربيل خارج حدود الإقليم الكردي، لكن السلطات الكردية تطالب بضمها إليها.

وكانت قوات البيشمركة الكردية قد استولت على مناطق واسعة بعد الهجوم الذي شنه تنظيم داعش في يونيو 2014، بعد انهيار القطاعات العسكرية التابعة للحكومة المركزية.

وطالب الصالحي من رئيس الوزراء حيدر العبادي إعلان موقف من حفر الخندق، قائلا “نحن نرى أن هذا الخندق تمهيد لتقسيم العراق لأنه يُحدد الخرائط الجيوسياسية على الأرض”. كما اتهم النائب التركماني جاسم محمد جعفر الأكراد باستخدام شعار الحرب على داعش، لغرض التوسع والسيطرة على الأراضي. واعتبر أن “الخندق الكردي مخالف للمواثيق الدولية وتجاوز على المكونات التي تعيش داخل المناطق التي حفر فيها”.

ومن جهة مقابلة أكد صبحي المندلاوي العضو في الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة مسعود البارزاني، أمس، أن الهدف من مشروع الخندق” الذي شُرع في حفره مؤخرا أمني عسكري ولا علاقة له بموضوع ترسيم الحدود بدليل أنه يترك “مناطق ومدنا وبلدات كردستانية ضمن حدود الحكومة الاتحادية”.

وفي ذات الاتجاه نفى محافظ كركوك نجم الدين كريم وجود خلفيات سياسية وراء حفر الخنادق، قائلا إنه يقتصر على مناطق التماس وجبهات القتال وهو إجراء عسكري احترازي لمواجهة تنظيم داعش وليس لرسم حدود دولة كردية وتقسيم العراق.

وأكّد كريم خلال اجتماع عقده بالمحافظة إن “الخنادق التي تم حفرها هي ضمن إجراءات عسكرية لمواجهة إرهاب داعش ومن حق القوات حفر الخنادق وحماية المدن من الإرهابيين ومنع أي تقدم أو تسلل لعناصر داعش في جبهات مفتوحة”.

وشدد على أن “هذه الخنادق هي لحماية المدنيين ودرء خطر داعش ونحن ندعم كل الخيارات التي تقوم بها البيشمركة لأنها تضمن الأمن والاستقرار وأثبتت أنها لحماية أهالي كركوك جميعا دون أي تمييز”.

ومن جهته قال المتحدث باسم قوات البيشمركة الكردية جبار ياور إن “الغرض من الخندق تأمين مواضع دفاعية ضد الآليات الانتحارية التي يستخدمها إرهابيو داعش ضد ثكنات البيشمركة”.

وأضاف “الحفر تم بعمق مترين وعرض ثلاثة أمتار، وليس في كل مكان، فهناك مناطق لا تحتاج إلى خنادق، وهذا القرار يعود للقادة العسكريين”. لكن المسؤولين التركمان يقولون إن الخندق سيضم مدينة طوزخرماتو التركمانية الواقعة تحت سيطرة الأكراد وتبقي بلدة آمرلي التركمانية خارجه.

ويرى مراقبون أن الظروف التي يمرّ بها العراق تجعل من مسألة انفصال إقليم كردستان عنه مسألة وقت وأن استقلال الإقليم متحقق على أرض الواقع بدرجة كبيرة. كما يلفت خبراء عسكريون إلى أنّ الخنادق التي قد تكون حفرت بالفعل لمنع تقدّم داعش يمكنها لاحقا أن تمنع تقدم القوات العراقية نحو مناطق تعتبرها سلطات كردستان تابعة لها.

3