حفر في الخطاب الأصولي الإسلامي.. كراهية بلبوس الاعتدال

تتبنى بعض نماذج الخطاب الإسلامي الموصوف بأنه “معتدل” فلسفة في التسامح هي أسوأ من التعصب نفسه، وأخطر من الكراهية السافرة، وتعبّر عن داعشية كامنة وتطرف ناعم حتى لو ارتَدَتْ كلماتها ثوب الاعتدال؛ ما يؤشر إلى خضوع هذه النماذج الخطابية لاستلاب أصولي متغلغل في بنيتها العميقة.
الأربعاء 2017/05/10
لا حدود فاصلة بين تطرف معلن واعتدال مزعوم

من نماذج الخطاب الإسلامي الذي يدّعي الاعتدال مثلا ما يبرر رفضه لحظر الكتب المتهمة بأنها تهاجم الإسلام بأن “كل ممنوع مرغوب” وأن حظرها سيزيد شهرتها؛ بمعنى أن الخطاب الذي يبدو معتدلاً هنا لا ينطلق من موقف أصيل منحاز لحرية التعبير وحق الآخر في إبداء رأيه من دون قيود أو قمع فكري؛ ولكنه موقف براغماتي يهدف لإلغاء الآخر بتجاهله والامتناع عن التصادم معه حتى لا ينتبه إليه الناس.

ولا فرق بين الموقفين الأصوليين، فالمتطرف الذي ينادي بمنع الكتب كي لا يقرأها الناس، و”المعتدل” الذي يرفض منعها لأنه يخشى أن يتسبب ذلك في شهرتها بين الناس، كلاهما ينطلق من ازدراء الآخر وعدم الاستعداد حتى للاعتراف بوجوده أو مناقشته في آرائه، والسعي إلى كبت صوته وحرمانه من التعبير عن نفسه.

ينطلق الخطاب الأصولي من “الحرص على الذات” بصورة مَرَضيّة؛ وليس من احترام حقوق الآخر والإقرار بالمساواة التامة معه في إطار تعددية فكرية وثقافية تشمل الجميع.

الهاجس الأصولي ينطلق من الحرص على مجرد “الوجود والاستمرار”؛ وجود الأيديولوجيا وزعاماتها وشبكة مصالحها وهيمنتها، واستمرار الصراع مع الآخر؛ وليس الحرص على “تحسين شروط الوجود والتطور” للذات وللآخر وللمجتمع، عبر بناء الجسور مع الآخرين والتفاهم معهم في إطار عقلانية اجتماعية تستوعب الجميع وتدرّب الجميع على العيش المشترك والاندماج البنّاء.

ليست المشكلة الأساسية في “الحرص على الذات” الذي تبديه الأصولية، فهذه غريزة طبيعية للأفراد والجماعات وسمة للأفكار والأيديولوجيات؛ ولكن الإشكالية في الفلسفة التي ينبثق منها هذا الحرص؛ التمحور حول الذات والتحرك بمنطق ذاتي انطوائي حمائي، يتخذ الانفتاح والعلاقات العامة وتبادل الابتسامات الدبلوماسية مع المخالفين مجرّدَ أمصال براغماتية لتعزيز المناعة الأيديولوجية أو أدوات لتكريس التخندق الحزبي؛ إذ ليس قبول الآخر قيمة جوهرية أو أصيلة في البنية الفكرية للجماعة الأصولية.

العقلية الأصولية تجعل من "الماضي المقدس" للهوية الذاتية الإسلامية مرجعية أخلاقية في الخير والفضيلة

قرأت على فيسبوك منشوراً يتبنى هذا المنطق الأصولي “المعتدل” حين يلوم كاتبه مجموعة متعصبين على تنكيلهم بمراهق متهم بأنه “شاذ جنسياً” في بغداد، فيقول لهم ما معناه “لماذا هذا العنف؟ لقد أعطيتموه قيمة وحولتموه إلى ضحية”. ما يعني أن خطاب “التسامح” هنا لا ينطلق من موقف منحاز للحرية ورافض للعنف؛ بل هو موقف براغماتي يهدف إلى غاية المتعصبين نفسها؛ “القضاء على الشذوذ”، ولكنه يريد ذلك بالقوة الناعمة وهي الازدراء والإقصاء لا بالقوة الخشنة.

لا تختلف النسخة المعتدلة من الخطاب الأصولي عن نسخته المتطرفة سوى في الشكل والأسلوب وزاوية المقاربة، أما المضمون الفاشي فواحد؛ تصنيف الناس وفق معايير يعتنقها العقل الأصولي ويعتبرها موازين أخلاقية ملزمة للبشرية، ومن ثم إصدار الأحكام بالإقصاء على من يتناقض سلوكه مع هذه المعايير القسرية؛ لكن الاعتدال المفترض يتباين عن التطرف الصريح في قضايا إجرائية فقط تتعلق بعملية استئصال الآخر مثل توقيت التنفيذ وأسلوبه والجهة المخولة به.

خطاب الأصولية “المعتدل” باعتماده فذلكات والتفافات براغماتية في تسويق الاعتدال الشكلي إنما يغذي التطرف في المجتمع بصورة غير مباشرة، فهو يخلق بنية من المعاني والرموز والمسلّمات والعنف المعنوي ينطلق منها أفراد متطرفون أقل تعليماً وذكاء، إلى التنفيذ والتطبيق والعنف المادي والإرهاب، ما يجعل المتطرفين العنيفين في داعش وغيره يبدون “مغررا بهم” وضحايا لثقافة تطرف وكراهية صنعها تيار “الاعتدال” الأصولي الذي ينادي لفظياً بنبذ العنف. ولا يبدو منطقياً أن تتم ملاحقة المنفذين، في حين نترك نقد ومساءلة الشبكات المحرضة من مدارس فكرية وبنى نظرية وظواهر ثقافية وأيديولوجية وتبشيرية ومؤسسات تقليدية ومنظومة قيم ووعي أصولية مهيمنة.

المؤسسة الأصولية في العالم العربي واحدة بجناحيها المعتدل والمتطرف وما بينهما من تدرجات، وبتجلياتها الكثيفة والمخففة، وهذه المؤسسة الضخمة غير ملموسة بمعنى أنها ليست كيانا ماديا محددا بل هي ثقافة ووعي زائف ومنظومة أفكار ومعايير يتم تداولها ثقافياً واجتماعياً وسياسياً وإعلامياً بدعوى أنها تعبّر عن “الدين” و”الإسلام” و”هوية الأمة”.

وليست الأصولية طبقة محددة أو مستقلة من الناس لها شكل متمايز، أو جماعات أو أحزاب لها أطر معينة، بل هي حالة استلاب ثقافي أو وباء أيديولوجي فقد تجد شخصاً من أكثر الناس علمانية يتعاطى فكرا أصوليا، أو يتماهى مع الأصولية في لحظة ما لجهل أو انتهازية، وقد تجد آخر من أكثر الناس إسلاموية يتعاطى سلوكاً ليبرالياً أو يتماهى مع العلمانية في وقت معين نتيجة اختلال فكري يجعله يناقض نفسه.

ومن مؤشرات هشاشة الخطاب الأصولي “المعتدل” السائد عربياً أنه إذا أراد وصف ما يراه تردياً في أحوال مجتمعاتنا وانحدار أخلاقها يلجأ إلى مقاربة شعبوية فيستدعي نموذج اليهود في النصوص الإسلامية، ليقول إن حالنا أصبح كحال “بني إسرائيل” وخيانتهم العهود وقتلهم الأنبياء بغير حق حسب الرواية الإسلامية، أو يحيلنا إلى قالب نمطي يتحدث عن “الانحلال الأخلاقي” في الغرب فيقول إن المجتمعات المسلمة تعرضت للتغريب أو الغزو الثقافي فأصابها ما في الغرب من “تسيّب وتفسّخ”.

إذ لا يتصور الوعي الأصولي أن سلوكاً إسلامياً يمكن أن يكون نموذجاً للشر بذاته ومن دون التأثر بشرور الآخر، باعتبار أن الشر والفساد متوقعان في كل المجتمعات والهويات، ومنها المجتمع الإسلامي، وليست لهما هوية دينية أو إثنية محددة. فالشر في الوعي الأصولي الإسلامي مصدره الدائم هو الآخر المخالف دينياً أو ثقافياً، وكل ما يفعله المسلم هو محاكاة ذلك الآخر في شروره واقتباس آثامه!

هذه المحاكاة كما تعتقد الأصولية الإسلامية ناتجة عن تردي الظروف المحيطة بالمسلمين في داخل بلدانهم أو التدخلات الخارجية (القادمة من الآخر أيضاً) في شؤونهم؛ أما الهوية الإسلامية الخالصة فهي في الوعي الأصولي نقية في ذاتها وجوهرها.

تكتمل المقاربة الأصولية في الإعلاء من شأن الجوهر الأصولي الإسلامي وتبرئته من كل نقيصة ووصم الآخر بكل النقائص

وفي المقابل يرى الخطاب الأصولي أن “خطايا اليهود” التي أشار إليها النص الإسلامي، أو “الانفلات الأخلاقي” الغربي المعاصر المفترَض، ليسا بسبب ظروف داخلية أو عوامل خارجية تتعرض لها المجتمعات؛ بل هما برأي ذلك الخطاب متعلقان بخلل في جوهر الهوية اليهودية أو الغربية و”انحطاط ذاتي” تعانيه تلك الهوية كانتماء ديني وإثني وثقافي مُصمَت وأزلي. وبذلك تكتمل المقاربة الأصولية السطحية والمتهافتة في الإعلاء من شأن الجوهر الأصولي الإسلامي وتبرئته من كل نقيصة ووصم جوهر الآخر بكل النقائص.

إنها لعبة مزدوجة تعتمد إدانة الذات لغوياً وظاهرياً وتبرئتها ضمنياً وثقافياً عبر تشبيه خطاياها بعيوب “أصيلة” و”جينية” مفترضة في الآخر. هذه اللعبة تنظر إلى أخطاء الذات باعتبارها نقائص عابرة ومؤقتة، أما أخطاء الآخر فتعتبرها “خصائص” جوهرانية راسخة في هويته، وأن نقائص الذات ما هي إلا محاكاة وتمثّل لخصائص الآخر الشريرة، وبالتالي، يقول المنطق الأصولي، علينا “إصلاح” الذات وتطهيرها لأن أخطاءها طارئة وعارضة وليست منّا؛ ولكن ليس أمامنا سوى “استئصال” الآخر وتطهير الوجود منه لأن أخطاءه أزلية ودائمة وكامنة فيه.

العقلية الأصولية السلفية تجعل من “الماضي المقدس” للهوية الذاتية الإسلامية مرجعية أخلاقية في الخير والفضيلة، وتجعل الآخر وهويته أيقونة ونموذجاً للشر والرذيلة في كل الأزمنة والأمكنة والظروف.

على ذلك، لا يمكن وصف الخطاب الديني أو السياسي الإسلامي الذي يتبنى نظرة وعنصرية في مقاربة القضايا العامة والعالمية بأنه “معتدل”، فالاعتدال هو بنية ثقافية وقيمية متكاملة ومنظومة دلالات ونبذ للعنف الرمزي والمعنوي والثقافي وليس مجرد عدم ممارسة العنف المادي أو هجاء التنظيمات الإرهابية. الكراهية الصريحة أهون وأقل خطراً من تسامح ذرائعي ينطلق من ذاتية أيديولوجية مفرطة ويؤدي إلى الغايات والمآلات الإقصائية ذاتها التي ينتهي إليها التعصب الفجّ.

والأصولية بما هي “هوس النقاوة؛ كما يعرّفها العفيف الأخضر، ينبغي أن تكون مدانة بغض النظر عن معتنقيها، ولكنها لا تشتغل بفاعلية وتؤتي مخرجاتها المتطرفة إلا بوجود أصولية مناقضة تصطدم بها وتغذيها، وهذا ما يحصل بين الأصولية الإسلامية (الإسلام السياسي) والأصولية اليهودية (الصهيونية) في الصراع مع إسرائيل، وبين الأصوليتين السنية والشيعية في الصراع الطائفي.

ليس التطرف أصيلاً في السنّة أو الشيعة، ولا في المسلمين أو اليهود أو المسيحيين أو البوذيين أو اللاأدريين أو أي هوية دينية أو مذهبية، والقراءات الأنثروبولوجية والسوسيولوجية للظواهر الاجتماعية تتضافر لتؤكد عدم ارتباط التطرف والاعتدال بجوهر أو ذات أيّ هوية دينية أو إثنية أواجتماعية، بل تُنشئهما في الأفراد ظروفٌ وعوامل وتراكمات موضوعية أخرى محرضة عليهما ودافعة إليهما.

13