حفظ أمن الإنترنت والفضاء مجال جديد للتنافس العسكري بين الدول

الجمعة 2015/02/06
الدول الكبرى تسابق على غزو الفضاء يفيد بوجود «دورة تصعيدية» من العسكرة

لندن – شهد العقد الأخير تقدما كبيرا في النشاط الفضائي وبروز توجهات عسكرية واستراتيجية لاستخدام الفضاء الخارجي، بشكل، يرى مراقبون، أنه سيؤثّر في نمط الحياة ومستقبل البشرية. ونظرا لأهميّة هذا الموضوع وبروز علامات تنبئ بأنّ أفلام الخيال العلمي و”حرب النجوم” قاب قوسين أو أدنى من أن تصبح واقعا ملموسا، خصّصت مراكز البحوث الدولية حيّزا من اهتماماتها للتطرق إلى هذا الموضوع ومحاولة الإلمام بمجمل تفاصيله، خاصة أنه أضحى يدفع نسق العسكرة بين الدول نحو تصاعد مطّرد.

تزايدت أهمية مجالي الإنترنت والفضاء في العقود الأخيرة، حيث يعتبر الفضاء الآن المجال الرابع للأعمال الحربية والإنترنت المجال الخامس. وقد تمّ في البداية توظيف الإنترنت لتمكين التعاون البحثي بين الجامعات ولجان التفكير الحكومية في فترة الستينات من القرن العشرين، قبل أن تمر بنمو كبير في استخدامها التجاري منذ فترة التسعينات، وهي الآن تهيمن على كل مظاهر الحياة في المجتمع العصري. وهذا ما جعلها هدفا جذابا للهجوم “السيبراني”، حيث يعتقد أنّ هناك أكثر من 12 دولة تمتلك قدرات حربية متقدّمة على الإنترنت في الوقت الرّاهن.

بشكل مشابه، في بداية عهد الفضاء، في الخمسينات، كانت معظم الدول تأمل أن يتم استخدام الفضاء الخارجي بالأساس للاستكشاف العلمي. لكن سرعان ما عمدت كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي إلى استخدام أقمار اصطناعية للتجسّس وجمع المعلومات الاستخباراتية العسكريّة وتطوير أسلحة مضادة لتلك الأقمار. وفي الوقت الحاضر هناك عدد متزايد من الدول -بما في ذلك بلدان الاتحاد الأوروبي والصين والهند- يعوّل كثيرا على الأقمار الاصطناعية في العمليات العسكرية من جوسسة واتصالات وملاحة، بينما يتزايد دخول الكيانات التجارية إلى مجال الفضاء، وهو الشيء الذي يزيد في عدد الفاعلين المنافسين.

هذا الواقع الذي أفرز العديد من التحديات التي تطرحهما عسكرة الإنترنت والفضاء ودورهما في صراعات المستقبل، كان محل نقاش في ندوة عقدها المعهد الملكي البريطاني "تشاتام هاوس"، مؤخرا، وفق دراسة للباحثة، كارولاين بيلون، تطرقت من خلالها إلى التركيز على أبرز النقاط التحليلية التي تضمنتها مداخلات خبراء مختصين في هذا المجال.


تصاعد عسكرة الإنترنت والفضاء


تعزى عسكرة قطاعي الإنترنت والفضاء في جزء منها، وفق دراسة الباحثة كارولاين بيلون، إلى الأعمال المعسكرة التي يقوم بها عدد قليل من الدول في هذين المجالين. وفي ردّة فعل للتهديد المنظور تلتجئ دول أخرى لدعم الجوانب العسكرية في برامجها في مجال الإنترنت والفضاء. وهذا بدوره يحفّز عددا أكبر من الدول للعسكرة، وهو ما يخلق “دورة تصعيدية”.

أهمية مجالي الإنترنت والفضاء تزايدت في العقود الأخيرة، حيث يعتبر الفضاء الآن المجال الرابع للأعمال الحربية والإنترنت المجال الخامس

في سياق متصل، تفيد الدراسة بأنّ مجال الإنترنت يوجد اليوم على حافّة سباق التّسلح للحصول على قدرات شن حرب إنترنت، بما في ذلك القدرات الموجهة لاستهداف البنية التحتية الأساسية للدول الأخرى. وهذا ما دفع دولا منافسة لفعل الشيء نفسه؛ فإلى جانب وجود 12 بلدا على الأقل يمتلكون قدرات متطورة لخوض حرب إنترنت، هناك ما بين 60 و100 بلد آخر اكتسبت مستوى معينا من القدرات على خوض حرب إنترنت، والبعض منها يسعى إلى مزيد تطوير أسلحته.

وفي هذا الإطار، تذهب الكثير من آراء الباحثين إلى أنّ تصرفات بعض الدول “الاستفزازية” تشكّل حافزا لقيام دول أخرى بعسكرة برامجها الفضائية؛ مثلا أصبحت وزارة الدفاع اليابانية تدرك أكثر فأكثر أهمية امتلاك المعدات الفضائية في سياق التهديد النووي والصاروخي القادم من كوريا الشمالية، فضلا عن الخلافات الأخيرة مع الصين. وعلى نحو مماثل تفيد بعض الدراسات أنه وعلى الرغم من تركيز الهند على برنامج فضاء سلمي إلى حدود الآن، إلاّ أنّ المتطلبات الأمنية المرتبطة بجيرانها قد تجعلها تتّجه نحو سياسة فضاء عسكرية حازمة.

وقد أصبح التمييز بين الأدوار العسكرية وغير العسكرية أكثر ضبابية في مجالي الإنترنت والفضاء، وفق الدراسة، حيث أصبحت الكثير من التكنولوجيات مزدوجة الاستعمال (مثلا تستعمل لأغراض مدنية وأغراض عسكرية معا). وهذا يجعل من الصعب تحديد المصطلحات الأساسية، وخاصة تلك المتعلقة بالأعمال الحربية، مما يسهم في غياب أو عدم ملاءمة التعريفات المتفق عليها دوليا. وغياب التعريفات بدوره يعرقل تطور الاتفاقات متعددة الأطراف الخاصة بمراقبة الأسلحة وتحول دون التعاون، وهو الأمر الذي يعمّق لبس النوايا والتهديد المتصوّر اللّذين يؤديان إلى الدورة التصعيدية.

كما تعني التكنولوجيات مزدوجة الاستعمال بأنه في الكثير من الأحيان من غير العملي حظر بعض التكنولوجيات مرة واحدة وتطبيق تدابير كافية للتثبت من الامتثال، مما يؤدي إلى صعوبات في التوصل إلى اتفاقات تخص مراقبة الأسلحة. فضلا عن ذلك، تصعّب التكنولوجيات مزدوجة الاستعمال عملية التأكّد من أن بلدا ما بصدد تطوير برنامج عسكري بالتوازي مع نشاطاته المدنية.

وتتحول مقاييس السلوك المقبول في مجال الإنترنت والفضاء نحو الطرف الهجومي من الطيف، مما يمكّن من أنشطة “هجومية” تحت قناع أنشطة “دفاعية”. وتشير الدراسات إلى أن الأعمال الهجومية في فضاء الإنترنت تشهد تصاعدا. ويتميز فضاء الإنترنت بخاصية فريدة تتمثل في أنّه إذا دخل أحدهم شبكة بهدف الجوسسة، لا يحتاج إلاّ لبضع خطوات أخرى لكي يطلق هجوما عليها. وهذا التمييز الضبابي بين الجوسسة والأعمال الحربية على شبكة الإنترنت يجعل من السهل تبرير القدرات الهجومية تحت قناع القدرات الدفاعية.

وفي هذا الإطار تزمع الولايات المتحدة على استخدام ما يسمى “الدفاع السيبراني النشط” للدفاع عن الأنظمة والشبكات العسكرية، وعبارة “دفاع نشط” تفهم عادة على أنّها تتضمن أعمال هجومية تتخذ من أجل غايات دفاعية.

وفي مجال الفضاء أيضا حولت الدول الخطّ الأخلاقي لتبرير تطوير قدرات عسكرية نشيطة على أنّها حاجة دفاعية. وجزء من هذا التغيير حدث في وقت سابق، إذ تحول الفهم الأول لعبارة “استعمال سلمي” في معاهدة الفضاء الخارجي لسنة 1967 من معنى “استعمال غير عسكري” ليصبح بمعنى “استعمال غير عدائي”. وعلى الرغم من أنّ تبرير الاستخدام العسكري كشكل من أشكال الاستخدام السلمي، يبدو أمرا صعبا، إلاّ أنّ الولايات المتحدة استندت على حجة مقنعة للاستخدام العسكري للفضاء لغايات دفاعية، وقد ساعدها في ذلك التهديد المحتمل القادم من الاتحاد السوفييتي سابقا.

تصرفات بعض الدول الاستفزازية تشكل حافزا لقيام دول أخرى بعسكرة برامجها الفضائية وحماية مجالاتها والتأهب لأي خطر محتمل من هذه الناحية


الهجوم أسهل من الدفاع


من جهة أخرى، تفيد الباحثة، كارولاين بيلون، بأنّ المساهمة الأوروبية في الندوة البحثية، تطرقت إلى شرح كيف أنّ الإنترنت والفضاء لهما “نقاط ضعف غير متناظرة” من الناحيتين التكنولوجية والجغرافية؛ فمن الناحية التكنولوجية يعدّ الهجوم أسهل من الدفاع وأكثر جدوى من ناحية التكلفة. أمّا من الناحية الجغرافية فتتمثل النتيجة في أنّ البلدان المتقدّمة جدّا تكون عرضة بصفة خاصة للهجوم من الدول الأقل تطورا (فضلا عن الهجوم من التنظيمات الإرهابية وغيرها من الفاعلين).

وبما أنّ الدول تتعرّض إلى تهديدات متزايدة مع تنامي تكلفة المجهودات الدفاعية، اختارت الكثير من هذه الدول دعم نشاطها الهجومي في محاولة للرّدع. ومرّة أخرى يساهم ذلك في لبس النوايا والتّهديد المتصور، ممّا يدفع الدول الأخرى إلى التّسلّح ضمن ما يُسمّى بالدورة التّصعيدية.

ففي فضاء الإنترنت، ومن وجهة نظر تكنولوجية؛ تعدّ مهاجمة شبكات بلد ما أسهل وأقلّ تكلفة من الدفاع ضدّ مثل ذلك الهجوم. حيث أنّ أيّ فاعل “خبيث” لكي يتمكّن من إطلاق هجوم على الإنترنت يحتاج استغلال نقطة ضعف واحدة في الشّبكة، لكن لكي يتمكّن بلد من تركيز نظام دفاعي ضدّ الهجومات على الإنترنت يحتاج تحديد كلّ نقاط الضعف الممكنة و”ترقيعها”، وهو أمر أكثر كلفة ومن المحتمل أن يكون مستحيلا.

وكذلك في مجال الفضاء توجد وضعية مشابهة، والمثال الواضح على ذلك هو التحديات التي يطرحها الدفاع الصاروخي؛ فمن الناحية التكنولوجية تكلفة مهاجمة قمر صناعي ما تعدّ أقل من صدّ أحد الهجومات، كما أنّ التنفيذ أسهل بكثير، إذ لا يتطلب تدمير قمر صناعي غير إطلاق صاروخ مضاد للأقمار الصناعية، وهو سلاح من السهل نسبيا الحصول عليه، لكن للدفاع عن قمر صناعي ضدّ مثل تلك الهجومات يتطلب الأمر نظام دفاع صاروخي متطوّر جدا وباهظ التكلفة.

لتخلص بيلون في دراستها من ثمّة، إلى أنّ تحديد وتحليل بعض التحديات الشائعة في مجالي الإنترنت والفضاء، أوضح أنّ الدورة التصعيدية موجودة بالفعل، في ظل تزايد عمليات التسلّح والعسكرة في كلا المجالين تحت دفع سلسلة من العوامل المشتركة على ما يبدو.

كما أشارت إلى وجود مخاوف متزايدة داخل مجتمعات الإنترنت والفضاء بأنّ كلا القعين لا يتّجهان فقط نحو العسكرة، بل يتجهان إلى ما هو أكثر من ذلك: التسليح المتزايد، لذا فمن الضروري جدا، وفق رأيها، اتّخاذ خطوات لكسر الدورة التصعيدية قبل فوات الأوان.

6