حفظ المصالح أساس أوحد لصياغة الاستراتيجيات الأميركية

الأربعاء 2014/08/20
حفظ أمن إسرائيل محرك أساسي لسياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط

لندن - المواقف التي أعلنت عنها واشنطن وما رافقها من آداء سياسي وعسكري في ما يتعلّق بالأحداث الجارية في سوريا والعراق، بدت مرتبكة ومتضاربة في نظر الكثيرين، غير أنّ الملمّ بتفاصيل صياغة الإستراتيجيات الأميركية ونواميسها، لن يخفى عليه أنّ ذاك الارتباك المُعلن يحمل بين طيّاته مبادئ ثابتة تصب دائما وأبدا في اتجاه إعلاء مصلحة الولايات المتحدة في جلّ جوانبها.

ارتباك وتناقض معلنان وتسطير محكم ثاوٍ، لعبة أميركية برزت في أوضح تجلياتها مع الموقف الأخير الذي اتخذته واشنطن من تنظيم “داعش” وما رافقه من خطوات على الأرض في العراق، أسقطت مقولة “فشل التعامل الأميركي مع الأزمة” وأعلنت بوضوح عن أسس استراتيجية لا تقودها غير المصالح.

إستراتيجية لا تكيل الأمور بمكيالين كما يتراءى للبعض بل هي تكيلها بمكيال واحد أوحد أساسه حفظ مصالح واشنطن والحفاظ على أمن إسرائيل، تجلّت بعد التحرك المفاجئ لتنظيم “الدولة الإسلامية” المعروف إعلامياً بـ”داعش”، في العراق، وسيطرته السريعة وغير المتوقعة على أجزاء ومناطق واسعة شمالي البلاد وغربها، واقتراب مقاتليه من بغداد وأربيل (عاصمة إقليم شمال العراق)، تحركت واشنطن بسرعة ملحوظة ودون تأخير.

التحرك الأميركي السريع ضد “الدولة الإسلامية” شمل تركيز البوارج الحربية إلى الخليج العربي، وإرسال خبراء عسكريين على جناح السرعة إلى بغداد وأربيل، كما شرع الطيران الحربي الأميركي بشن ضربات ضدّ مواقع يسيطر عليها التنظيم شمالي العراق، كما مارست واشنطن ضغطا سياسيا أدّى إلى استصدار قرار أممي قبل أيام، يقضي بمحاصرة “داعش” اقتصاديا وعسكريا وسياسيا.

ويتساءل الكثيرون عن السبب وراء هذا التحرك السريع والحاسم للولايات المتحدة ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” بعد سيطرته على بعض المناطق في العراق وارتكابه لما يمكن تسميته بـ”جرائم ضد الإنسانية”، بحسب ما يتهمه به البعض، وكذلك تهجير الآلاف من السكان، بينما لم تحرك ساكنا عندما استولى التنظيم نفسه منذ أكثر من عام على مناطق واسعة في سوريا، وارتكب نفس الأعمال التي يمكن إدراجها تحت نفس التّصنيف.

ويرى كثيرون أنّ هذا التساؤل يعدّ مشروعا لشدة التناقض بين الحالين، ولكنه أمر يمكن تفسيره من خلال معرفة محركات سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، إذ أن هذه السياسة لها محركان ودافعان أساسيان يتحكمان بها، وهما: النفط وأمن إسرائيل، أمّا الأمور الأخرى، إن وجدت، فهي ثانوية، ولا تأثير يذكر لها على القرارات السياسية، إلا إذا كانت تتماشى مع هذين المحركين الأساسيين. فسوريا في الواقع ليست من الدول النفطية الكبرى وهي لا تهم واشنطن إطلاقا في هذا المجال، وربما في مجالات أخرى كثيرة، عدا كونها الجار الأكثر تهديداً لأمن إسرائيل.

الارتباك الظاهر على سياسة واشنطن يحمل بين طياته مبادئ ثابتة تصب دائما في اتجاه إعلاء المصلحة في جل جوانبها

وأصبح من الثابت أنّ لإسرائيل مصلحة قوية في بقاء نظام بشار الأسد في الحكم في سوريا، بسبب الأمن الذي استمرت إسرائيل تتمتع به على جبهتها الشمالية خلال فترة حكم الأسد (منذ عام 2000 وحتى اليوم) تماما كما تمتعت به أيام والده الراحل حافظ الأسد الذي حكم البلاد منذ عام 1971، وحتى وفاته عام 2000 ليخلفه نجله من ثمة على رأس الدولة والنظام.


"داعش" تضمن استمرارية نظام الأسد


بيّنت الأحداث التي جرت منذ دخول تنظيم “الدولة الإسلامية” إلى سوريا قبل أكثر من عام، أن عناصره لم يدخلوا في مواجهات حقيقية مع قوات نظام بشار إلا في حالات قليلة، وفي نفس الوقت لم تقم قوات بشار وتوابعها من الميليشيات الشيعية بمواجهة مسلحي الدولة الإسلامية إلا في حالات نادرة وغير مؤثرة.

ويمكن تفسير هذا الأمر بأن وجود “الدولة الإسلامية” في سوريا وسيطرتها على مناطق واسعة يخدم هدف النظام في تخويف الغرب من البديل المحتمل لنظامه، وهو الإرهاب والتطرف الذي تمارسه فصائل إسلامية متشددة كالقاعدة وتنظيم “الدولة الإسلامية” المنشق عنها وغيرهما.

وفي هذا السياق، قام نظام بشار بمعيّة النظام الإيراني بالكثير من الأعمال التي ساعدت على ظهور وتقوية “القاعدة” بعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003 قبل أن ينشق عنها تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” العام الماضي، لعدة أسباب منها استنزاف الأميركيين ومنع استمرار الإدارة الأميركية في ما كانت تخطط له حينها، وهو تغيير نظام بشار الأسد بعد أن تم إسقاط نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين.

ومن بين الخطوات التي قام بها نظام الأسد المدعوم من طرف إيران في هذا الصدد؛ السماح لـ”داعش” بالسيطرة على بعض المناطق لأشهر وعدم قصفها من قبل قوات النظام السوري، مثل محافظة الرقة التي تعدّ المعقل الأساسي للتنظيم في سوريا.

وكما يرى مراقبون، فقد نجح نظام بشار وإيران في مساعيهما، واستمرا في استغلال الفصائل والتنظيمات التي كانت تقاوم الغزو الأميركي ومساعدتها بشكل أو بآخر.

وجاءت الاستفادة الكبرى من تلك التنظيمات بعد قيام الثورة في سوريا ضد نظام الأسد في مارس 2011، والتي بدأت واستمرت سلمية لأكثر من 7 أشهر حتى أجبر قمع قوات النظام للمتظاهرين واستخدامها للعنف ضدهم، المحتجين على حمل السلاح للدفاع عن أنفسهم وعن عائلاتهم وممتلكاتهم، قبل أن تتدخل التنظيمات الإسلامية مثل “داعش” و”جبهة النصرة” وغيرها، لتتصدر مشهد الصراع. ومن المعروف أن مراسيم العفو التي أصدرها بشار الأسد في الأشهر الأولى للاحتجاجات ضده، سمحت لمعظم الموقوفين في السجون السورية من الجهاديين والإسلاميين بالخروج وتشكيل فصائل مقاتلة والمساهمة في عسكرة الثورة، مما أعطى للنظام مبرّرا لاستخدام أقصى درجات العنف والقمع لإنهاء الاحتجاجات ضده.

ويذكر أنّه منذ مارس 2011، تطالب المعارضة السورية بإنهاء أكثر من 40 عاماً من حكم عائلة الأسد، وإقامة دولة ديمقراطية تكفل مبدأ التداول على السلطة بطريقة سلمية، لكن النظام السوري اعتمد الخيار العسكري لوقف الاحتجاجات، ما دفع سوريا إلى معارك دموية بين القوات النظامية، وقوات المعارضة، حصدت أرواح أكثر من “150 ألف شخص”، بحسب المنظمات الحقوقية.

أميركا تدعم قوات البيشمركة الكردية في القضاء على داعش خدمة لمصالحها


سوريا المتضرر الأكبر


يبدو أنّ الأثر السلبي لسيطرة “الدولة الإسلامية” على مناطق واسعة في سوريا هو أمر يمكن لإسرائيل والإدارة الأميركية من ورائها تحمله مقابل بقاء نظام بشار، وعدم قيام نظام آخر بديل لابد وأن يكون للإسلاميين دور فيه، لأنه من غير المتوقع أن يستمر السلام والأمن الذي نعمت به إسرائيل على حدودها الشمالية لأكثر من 40 عاما خلال حكم الأسدين(الأب والابن)، في حال سقوط نظام بشار.

ومهما كانت هذه الحسابات خاطئة، ومهما كانت النتائج الجانبية سيئة -وربما أسوأ من نتائج سقوط بشار الأسد- فعلى ما يبدو فإنّ هذا ما قررته كلّ من إسرائيل والإدارة الأميركية، ولهذا تصمت الأخيرة عما يجري في سوريا سواء من قبل تنظيم “الدولة الإسلامية” أو من طرف نظام الأسد الذي ارتكب مجازر تفوق تلك التي يتهم “التنظيم” بارتكابها.

وقد يتساءل البعض عن المبادئ الأميركية في الديمقراطية وحقوق الإنسان ومكانها وتأثيرها على متخذي القرار في واشنطن في علاقة بالشأن السوري، خاصّة وأنّ حكومات الولايات المتحدة تستخدم هذه الورقة دائما كسيف مسلط على رقاب الحكومات التي لاترضى عنها وتخالف مصالحها.

ولكن الواقع يقول إنّ القرارات السياسية الأميركية لا مكان فيها لحسابات حقوق الإنسان ولا للديمقراطية، بل وحتى الخطوط الحمراء المتعلقة باستعمال الأسلحة الكيميائية والأخرى المحرمة دوليا والتي رسمها الرئيس الأميركي باراك أوباما لبشار ونظامه، فحتى هذه الخطوط تم التخلي عنها بمجرد الحصول على تنازل من نظام بشار عن الأسلحة الكيميائية بعد ما سمي “مجزرة الكيماوي” في منطقة الغوطة في شهر أغسطس 2011.

وبعد تهديد الولايات المتحدة بشنّ عملية عسكرية ضد النظام السوري على خلفية اتهامه بارتكاب تلك “المجزرة” التي راح ضحيتها نحو 1400 قتيل، قرّر النظام السوري تلبيةً لدعوة من موسكو، تسليم ما بحوزته من أسلحة كيميائية بغية إتلافها.

وبدأت عمليات نقل تلك الأسلحة عبر ميناء اللاذقية على البحر المتوسط مطلع العام الجاري، وتم الانتهاء قبل أيام من نقل وإتلاف كامل الكمية المصرح بها من قبل النظام السوري المقدرة بحوالي 1300 طن.

وربما كان السبب الأكبر وراء تراجع واشنطن عن شن الضربة العسكرية ضد النظام؛ هو إدراك الإدارة الأميركية أنه مهما كانت الضربة، التي كانت متوقعة، صغيرة أو محدودة، فإنها كانت ستؤدي إلى انهيار نظام بشار بأكمله، فلذلك تمّ التراجع عنها، وكانت نتيجة ذلك التراجع عن الخطوط الحمراء واستمرار نظام بشار في قتل الشعب السوري وتهجيره، حتى تجاوزت مأساة هذا الشعب أكبر مآسي هذا القرن.

ومع أنّ جرائم النظام السوري تجاوزت بآلاف المرات حجم الجرائم الّتي قامت بها “الدولة الإسلامية” سواء في سوريا أو في العراق، بالإضافة إلى أنّ التهجير الذي تسبب به نظام بشار للشعب السوري تجاوز، بمئات المرات، التهجير الّذي سببه “التنظيم” في العراق للسكان المحليين هناك إلى حدّ الآن، إلاّ أن رد الفعل الأميركي، وربما الغربي، لم يتجاوز حدود الإدانات اللفظية وتقديم بعض المساعدات الإنسانية التي لا تسمن ولا تغني عن جوع، والتي لا يمكنها أصلا أن تحل الأزمة التي ما تزال مفتوحة.

بل وأكثر من ذلك مازالت الولايات المتحدة تفرض حظرا قويا على إمدادات السلاح للثوار السوريين وتشل قدرتهم على مواجهة قوات نظام بشار، مما تسبب في إضعاف قوات المعارضة “المعتدلة” وتسبب في انضمام الكثير من الثوار السوريين إلى صفوف “الدولة الإسلامية” و”جبهة النصرة” لأنهما الفصيلين الأكثر استقلالا عن الدعم الخارجي الذي تتحكم فيه أميركيا بشكل مباشر أو غير مباشر.

القرارات السياسية الأميركية لا مكان فيها لحسابات حقوق الإنسان ولا للديمقراطية

هذه السياسة والحسابات التي توصف بـ”الخاطئة” للإدارة الأميركية، سوف تؤدي إلى مالا يحمد عقباه، وقد يكون أحد الأسباب الأخرى لهذه السياسة هو إصرار الرئيس الأميركي باراك أوباما على عدم الدخول في حروب جديدة في الشرق الأوسط بعد الحرب التي شُنّت على العراق سنة 2003.

لكن الهروب من المشكلة لايحلها، وسواء رغبت حكومة الولايات المتحدة أم لم ترغب، فهي مسؤولة بشكل أساسي عن عودة الأمن والاستقرار إلى المنطقة باعتبارها القوة العظمى الوحيدة القادرة على التأثير الحقيقي في منطقة الشرق الأوسط، التي تعتبرها من أهم مناطق العالم التي يجب أن تحفظ فيها مصالحها الاقتصادية والسياسية.

خاصّة وأنّ المطلوب، ليس تدخلا عسكريا أميركيا مباشرا كما يظن بعض معارضي التدخل الأميركي في الشأن السوري، بل هو فقط رفع الحظر عن الأسلحة للثوار السوريّين وربما بعض المساعدات اللوجستية والاستخباراتية وبعض الأسلحة النوعية التي تمكن الثوار من مواجهة النظام وأسلحته الكثيرة التي يزوده بها حلفاؤه الإيرانيون والروس وغيرهم، أو على الأقل تحقيق التوازن معه.

أما الحجة التي يتذرع بها البعض بأنه ليس من المستحسن إرسال أسلحة أخرى إلى المنطقة فهي مخالفة للواقع والمنطق، فالأسلحة تتدفق على نظام الأسد من حلفائه بازدياد، ووقف هذا التدفق لا يكون إلاّ بتسليح الطرف الآخر بما يمكنه من الوقوف في وجه هذا النظام.

وفي هذا السياق، فإنّ عدم مواجهة ما يحدث في سوريا، وعدم المساهمة في حل مشكلة تمترس نظام بشار الأسد ومن ورائه إيران وغيرها يؤثر تأثيرا سلبيا كبيرا على العراق وغيره من دول المنطقة، إذ أن بقاء نظام بشار الأسد هو أكبر مسبب لعدم الاستقرار وانفلات الأمن والسلم في الإقليم، وهو الذي يتسبب بإشعال النيران في أكثر من بلد، وهو ما هدد به الأسد المنطــقة إذا ما تمّت الإطاحة بــه، في عــدة تصريحات أعلن عنــها مؤخراً.

وما يحدث الآن من انضمام شعبي متزايد في كلّ من العراق وسوريا إلى صفوف “الدولة الاسلامية” ولـ”جبهة النصرة” لن يكون من السهل الانتهاء من نتائجه السلبية على المنطقة وعلى العالم ككل، خاصة بعد انضمام عدد كبير من الأجانب إلى هاتين المنظمتين واحتمال عودتهم المستقبلية إلى دولهم الأصلية بعد اكتسابهم أفكاراً جهادية وخبرات قتالية، وما يمكن أن يؤتيه هؤلاء من أعمال قد تهدد استقرار تلك الدول وأمنها.


محلّل سياسي وسفير سوريا السابق في السويد

7