حفلات التوقيع

الخميس 2016/12/01

في بعض الأحيان ترغم المؤلفين مناسبات معينة وتفاعلات جماهيرية شكلية كانت في ما سبق من علامات التواصل الإبداعي بين المؤلف المبدع وبين القارئ وتجعله قريبا منه وإنْ بمسافة محددة لكنها مسافة محكومة بالاحترام والتفاعل الإيجابي.

المناسبات المعروفة في هذا التقارب تقترن بصدور المؤلفات السردية والبحثية والشعرية للمبدعين وكانت تتخذ شكلين الأول الإهداءات الشخصية، وهي محكومة بظرفية العلاقات اليومية الأدبية والاجتماعية والثاني تجمعات التوقيع في أماكن وحواضن أدبية وهي قليلة ولم تكن سائدة كثيرا كما يحصل الآن تبعا للتقاليد الثقافية التي تتنوع على هذا الوتر الأدبي في هذا المكان أو ذاك.

ومثل هذه التفاعلات التي نسميها شكلية تترك بصمة الكاتب على كتابه بهيئة “توقيع” مع جملة ترحيبية قصيرة تكاد تتكرر في معظم الأحيان وهو أمر معروف لدى القرّاء والأدباء معا.

وفي العادة يميل الى قبول حفلات التوقيع أدباء وفنانون باحثون ونقاد وأكاديميون وسياسيون معروفون وهي إحدى وسائل الجذب والتسويق التي يقوم بها الناشرون أو بعض المنظمات الأدبية والثقافية لا لترويج الكتاب فحسب، إنما لترويج فكرة الكتاب المبدعة وتوضيح أهميته الإبداعية ومواجهة الكاتب مع قرّائه ليحملوا بصمته الشخصية كنوع من الذكرى والتقليد الجمالي لا غنى عنه لهواة الأدب وقارئيه.

لكن الأمر اختلف اليوم مع ظهور وسائط إعلانية وإعلامية جديدة في مواقع التواصل وشبكات الاتصالات السريعة لنرى أن حفلات التوقيع التي خرجت من معاطف الأدباء الكبار بتقاليدها الرصينة الى مبتدئين وهواة بتجارب محدودة جدا، تروج لهم دور النشر مستغلة وسائل الاتصالات الحديثة فيملأون القاعات بقرّاء سطحيين وأصحاب ومعارف وأقارب في محاولة إشهارية استعراضية بعيدا عن روح التواضع التي يتحلى بها المبدعون، وهذه ظاهرة أخذت تنتشر في معارض الكتب بعيدا عن أهميتها الأدبية والإبداعية بل وبعيدا عن الروح الاجتماعية التي يجب أن تتقدم حتى على الروح الإبداعية، فالكتابة في وجه من وجوهها أخلاق اجتماعية قبل أن تكون إبداعية.

لا نغمط حقوق الآخرين في الانتشار بين القرّاء فهذا حق طبيعي جدا وقد توفرت سبلٌ كثيرة للترويج والتسويق في الإلكترونيات المتعددة، لكن هناك وجهات نظر في كيفية عرض “البضاعة” الأدبية ما دام البعض ممن يستسهلون الكتابة محاولين أن يتصدروا الواجهة الثقافية بكل طريقة ممكنة وليست أقلها حفلات التوقيع التي يتسابق إليها هواة الأدب ومتوهمو الإبداع والذين يعدّون الكتاب مثل البضاعة القابلة للترويج والبيع والشراء في استقطاب المشترين والمتبضعين.

نعتقد إن الكثير من دور النشر خرجت من فاعليتها الثقافية ودخلت في فاعلية تجارية مكشوفة، فإذا كان الأدباء المعروفون يحققون شيئا من هذا لكفاية أسمائهم وحضورها اللامع، فإن الهواة في مثل هذه التجمعات “التوقيعية” ونظرا لعوامل خارجية/ اجتماعية لا صلة لها بالإبداع قد يحققون الأرباح الطائلة لدور النشر تحت ذريعة التشجيع مرة ومرات كثيرة يقوم بها التسويق الإعلاني لقارئ مغفل يستهويه لمعان الإعلان والإقبال الوهمي غير المنظور، وبالتالي تضيع الكثير من القيم الأدبية والثقافية في هذا المدّ الفوضوي الذي استحدثته بعض دور النشر.

حضرنا الكثير من معارض الكتب في البلاد العربية وشاهدنا الكثير من حفلات التوقيع وخرجنا بهذه الانطباعات الحقيقية المتكررة التي تغذّيها أيضا العلاقات الاجتماعية التي ترى أن من واجبها المبدئي أن تنتصر وتعين هذا المؤلف وذاك في تحقيق الحضور الجماهيري في أقل تقدير لتوثيق الصلة المنظورة وغير المنظورة بالجانب التسويقي، وهو نوع من الإيهام البصري الذي تمارسه هذه القبائل الاجتماعية من دون أن تدرك أهمية مؤلّفها وحضوره في الجانب الآخر، ونقصد به الجانب الإبداعي، وبالتالي تضليل القارئ وإيهامه بجدوى هذا الموهوب الذي لم يمسك بعد حتى بأبجدية اللغة.

كاتب من العراق

14