حفلات الطلاق ثقافة غريبة تتسلل إلى بعض الأسر العربية

من الطبيعي، أن تسعد النساء ويفرحن ويحتفلن عندما يتزوجن، فيرتدين الأبيض، ويتزيّن، ويرقصن، لكن أن تحتفل امرأة بأبغض الحلال (طلاقها)، وبانهيار عش الزوجية، فإن وراء ذلك ثقافة غريبة ومستهجنة في مجتمعاتنا العربية، وبعضهن يحتفلن لتخلصهن من عذابات كثيرة، وأخريات يرين في ذلك برهانا على قوتهن واستقلاليتهن، لكن فريقا ثالثا منهن يقمن الحفلات، بحثا عن زوج جديد، وفي كل الحالات فإن الأبناء هم من سيدفعون الثمن في النهاية.
الخميس 2016/10/20
فكرة شاذة لا تتقبلها المجتمعات العربية

بطاقة دعوة، مزخرفة بالرسومات الجميلة، وجهتها محاسبة مصرية بأحد البنوك، بعد إتمام مراسم طلاقها من زوجها، وحصولها على وثيقة بذلك، وكتبت فيها: تتشرف السيدة (….) بدعوة حضراتكم لحفل طلاقها من الأستاذ (….) والعقبى لكل امرأة تريد أن تتخلص من زوجها مثلي أنا”. وقامت بوضع بيانات في الدعوة عن اسم الفندق، وعنوانه، والقاعة المخصصة للاحتفال.

الدعوة أثارت حفيظة البعض، إذ من المفترض أن الطلاق هو انهيار لحياة زوجية، وفقدان للأمان النفسي والأسري، إلا أن بعضهنّ قررن ألا يرضخن لحالة الحزن، وواجهن التحدي، باحتفالات مشابهة في تفاصيلها لاحتفالات الزواج، ترتدي فيها المطلقات ثيابا كثياب العرس، للنأي بأنفسهنَّ عن اليأس ومشاعر الإحباط والفشل، غير عابئات بعلامات الاستفهام الكثيرة، التي تطرحها منظومة العلاقات الاجتماعية، والعادات والتقاليد من حولهن.

اقتصرت تلك الظاهرة في البلدان العربية، في البداية، على طبقة اجتماعية معينة، هي الطبقة العليا من الأثرياء والفنانات، الذين يعشقون إقامة الحفلات بمناسبة أو دون مناسبة، وكانت دولة المغرب أول بلد عربي يبتدع هذه الحفلات، حيث رأت إحدى المغربيات أن انتهاء معاناتها مع زوجها يستحق الاحتفال، خاصة وأنها لم تحصل على الطلاق إلا بعد تشريع قانون جديد يسمى (الشقاق)، يتيح للمرأة تطليق نفسها.

أما في المجتمع المصري، فكانت أول من أقامت حفل طلاق بالوسط الفني، الفنانة مديحة يسري، عند طلاقها من الفنان الراحل محمد فوزي، كما قامت بذلك أيضا الكثيرات من الفنانات، مثل المطربة اللبنانية ميسم نحاس، والفنانة المصرية هنا شيحة، والسورية جومانا مراد، اللاتي نظمن حفلات طلاق دُعي إليها الفنانون والمشاهير.

الطفل يشعر بسبب هذه الحفلات، بكراهية للطرفين، وسيتحول إلى قنبلة موقوتة، تنفجر في وجه الأبوين والمجتمع

غير أن الملفت الآن، انتقال تلك العدوى للمطلقات المنتميات إلى الطبقات المتوسطة، وتصاعدت وتيرتها منذ بداية العام 2016، بالتزامن مع ارتفاع حالات الطلاق والخلع في مصر، وانتشرت من خلال أخبار تنشر في الصحف، أو صور لمثل هذه الحفلات على مواقع التواصل الاجتماعي، بل وذهبت بعض النساء، اللاتي حصلن على الطلاق، إلى ما هو أبعد من هذا، بنشر مقطع فيديو للاحتفال على يوتيوب، بالإنترنت.

وتباهت أسر عديدة، بطلاق بناتهن، وأعدت الولائم، ووزعت دعوات، ذكر فيها اسم الزوج كاملا، واصفة إياه بالمخلوع، كنوع من الإهانة والانتقام منه، ولكي تؤثر على سمعته عندما يتقدم للزواج مرة ثانية، فيوصد الباب أمامه عقابا له.

قالت سامية قدري، أستاذة علم الاجتماع بالقاهرة، لـ“العرب”، إن لجوء المرأة للاحتفال بانفصالها عن زوجها يحمل الكثير من المعاني، فبعيدا عن أنها رغبة في الكيد والانتقام، فهي تشير إلى مدى المعاناة التي عاشتها مع هذا الزوج على المستوى النفسي، حيث أن معظم المحتفِلات بالطلاق، هن نساء تعذبن كثيرا في زيجاتهن، وتعذبن أكثر للحصول على حريتهن، لذلك يتملكهن شعور بأنهن تخلصن من أزمة كبيرة تستحق الاحتفال. وقد أقبلت المرأة على ذلك، لإخفاء ضعفها الأنثوي، متظاهرة بالعكس، من خلال توجيه رسالة للأصدقاء بصفة عامة بأنها مازالت قوية، وأنها هي من اتخذت قرار الطلاق وليس الرجل، ورسالة لطليقها، تبلغه من خلالها بأنه لم يستطع تدميرها.

بالإضافة إلى ذلك فإن هذا الاحتفال يحمل رسالة غير مباشرة للمجتمع العربي، الذي ينظر إلى المطلقة على أنها جلبت العار لأهلها، وأنها على أتم الاستعداد لمواجهته، ورفض عاداته وتقاليده.

وأوضح محمد مشالي، متعهد حفلات وأفراح بإحدى دور المناسبات المصرية لـ“العرب”، أن هذه الحفلات كانت تنتشر بين الطبقات الغنية والفنانين والمشاهير، لإعلان وإشهار طلاقهم، أما الآن فيقبل عليها متوسطو الحال. وفي مصر، بدأت المحلات الشهيرة للحلويات، في صناعة “تورتة” خاصة بالطلاق، حسب الطلب، ويتراوح سعرها بين 400 جنيه (ما يقارب 35 دولارا) إلى 1500 جنيه ( 140 دولارا)، وتبلغ أحيانا أكثر من ذلك.

وأضاف مشالي لـ“العرب”، أن الاحتفال بالطلاق غالبا ما يأتي بنتائج عكسية، حيث تتعرض المطلقة المحتفلة لسخرية وتلاسن المدعوات، بسبب هذا الطلاق، وقال إنه كثيرا ما سمع بأذنيه، عند التنقل بين المدعوات، وصفهن لها بأنها مستهترة، وغير متحملة للمسؤولية، وتهمس أخريات بأنها دعوة من جانب المطلقة للحصول على عريس جديد.

ورغم أن اكتساب الحرية بعد العذاب، يعد مكسبا كبيرا، ومدعاة للفرح، إلا أن المجتمعاًت العربية مازالت لا تتقبل فكرة شاذة كهذه. وقالت سعاد صالح، العميدة السابقة لكلية الدراسات الإسلامية في القاهرة، إن هذه الاحتفالات فكرة دخيلة على مجتمعاتنا الشرقية، ولا ينبغي الترويج لها، أو إلقاء الضوء عليها. وأشارت الدكتورة سعاد لـ“العرب”، إلى أن تلك الحفلات تشعل نار العداء والخصومة والانتقام بين المطلقين، حيث يقوم كل طرف بالتشهير بالآخر، والضرر حتما سيصيب أبناءهما عاجلا أم آجلا.

ويشعر الطفل، من خلال هذه الحفلات، بكراهية شديدة للطرفين، لأنه لن يفهم الحقيقة بأكملها، وسيتحول إلى قنبلة موقوتة، تنفجر في وجه الأبوين، وفي وجه المجتمع كله، وهذا أحد أوجه العنف الأسري في مجتمعاتنا العربية.

21