حفلات "ترقيع" الكتب في معرض القاهرة للكتاب

مرت الدورة السابعة والأربعون من معرض القاهرة الدولي للكتاب، وشهدت إقبالا متزايدا وملحوظا هذا العام، واختلف المقيمون حسب توجهاتهم، وأثنى البعض على الجهد المبذول، بينما حاول آخرون التشكيك في قدرة المنظمين لهذه الدورة.
السبت 2016/02/13
انتهى المعرض وربح من ربح

بعد إسدال الستار على الدورة السابعة والأربعين من معرض القاهرة الدولي للكتاب، يبدو أنه و”من تحت الترابيزة” كان ثمة صراع ما بين ما أطلق عليه “الحرس القديم للمعرض”، وبين جيل جديد من المنظمين أكثر طموحا وشبابا. في النهاية انتهى المعرض وربح من ربح، وتمّ اختتام فعالياته.

نلفت الانتباه إلى ظاهرة بدأت تتوسع في معرض الكتاب، والمسماة بحفل التوقيع للكتاب. ولعل تزايد تلك الحفلات هو ما يسترعي التوقف قليلا لمحاولة فهم ما يحدث على الساحة المصرية في مجال النشر، إذ قدّمت دور العرض الخاصة والمستقلة العديد والعديد من الوجوه الشابة باعتبارها مواهب تشكلت وقامت بطرح إبداعاتها في مؤلفات أولى أو غير أولى، وروّجت لهم دور النشر من خلال ما يسمّى بحفلات التوقيع.

وما عليك إلّا أن تتجول قليلا بعد دخول أرض المعرض، لتجد مجموعات من هؤلاء المروّجين لجداول حفلات التوقيع الخاصة بتلك الدور، إلى جانب توزيع ورقات إعلانية “بامفلت” لرواية ما أو كتاب ما، بدرجة يشبه فيها هؤلاء مندوبي الإعلانات والمبيعات الذين ينتشرون في المحطات العامة للمترو والأتوبيس والقطارات بطول مصر وعرضها.

وهنا لا بد أن نعترف بأهمية الترويج للكتابة والمواهب، ولكن شرط أن يليق ذلك بما يعتبر قداسة مهنة الكتابة. ولكن أيضا يمكن أن نستشف من خلال هذا المعرض الوضع المتأزم للكتاب ونشره في مصر، وهو يشي بحال مهنة صناعة الكتاب وصعوباتها المختلفة.

زادت هذا العام ظاهرة حفلات التوقيع، والحقيقة أنه في ظرف تاريخي مغاير ووضع أكثر تفاؤلا يمكن اعتبار ذلك ظاهرة صحية في مجال الكتابة والنشر، ولكن الوضع هنا مختلف بعض الشيء. إذن ثمة شيء ما يحدث وعلينا الانتباه له جيدا، لماذا كل هذا العدد الهائل لحفلات التوقيع؟ وهل يستحق الأمر كل هذه “الهيصة” كما يقولون في مصر؟

أغلب هؤلاء المؤلفين سينتهي بهم الأمر كحال الكثير ممّن سبقهم إلى التوقف أو الإحباط، نتيجة لما تمارسه تلك الدور عليهم من ابتزاز وهضم لغالب حقوقهم المادية بل والفكرية، وهي تجربة مريرة تنتهي بالقضاء على مشروع الكتابة عند هؤلاء الذين أرادوا أن يسيروا في طريق الغواية الكتابية.

والحقيقة أن ثمة أمرا آخر أشدّ وجعا، فبعد تصفح ومطالعة الكثير من هذه الكتابات المروج لها بحفلات التوقيع، يصدمك المستوى اللغوي والثقافي لهؤلاء الذين تتصدر أسماؤهم أغلفة تلك الكتب خلال حفلات التوقيع في مختلف صنوف الكتب، إذ لا يعدو أن يكون المنتوج المروج له شديد السطحية. وهو ما يطرح سؤالا عن الدوافع وعمّن يقف خلف الترويج لهؤلاء الأنصاف والأرباع من الكتاب الذين لم تكتمل تجاربهم الإبداعية.

ربما سيرد البعض بأنه ينبغي أن نعطي لهؤلاء الفرصة، فهم في أول الطريق، ولكن الإشكالية هنا، أن تلك الكتابات لا ترقى إلى مستوى الصالح للنشر، ربمـا يمكن قبولها كتجارب داخل ورشـة لتعليـم الكتـابـة لمـن يبـدأ في تعلمها، لا لمن يروج له باعتبـار النضج.

سؤال كبير يطرح نفسه على القارئ الجاد عن ماهية الجديد، الذي رأته دور النشر تلك في أعمال هؤلاء الأنصاف، لتروّج لهم بكل هذه القوة وتدشن العشرات من تلك الحفلات التي لا تزيد عن كونها “حفلات للترقيع” لا للتوقيع. فهل نطالب بوجود رقيب أو لجنة لحساب هذه الإصدارات التي تطفح بالسوء وتنشره، فيصير غير الناضج والأنصاف هم القيمة التي تسيطر على حساب الموهوبين والجادين لمشروعهم الأدبي والفني، من أفراد ومؤسسات خاصة للنشر؟ هل نفكر بضرورة وجود لجنة متخصصة لا تسمح بإعطاء التراخيص وأرقام الإيداع لتلك الكتب، قبل مراجعتها فنيا وأدبيا، بل ونحويا وإملائيا؟

الأمر مقلق من زوايا كثيرة، فربّما وجود أمثال تلك اللجان -ونحن ضدّها- تعدّ مدخلا من مداخل فساد كبير، أفسد علينا حياتنا حين تشكلت داخل مؤسسات وزارة الثقافة المصرية وهيئاتها، فصارت مجموعات من لجان موظفين لا علاقة لهم بالأساس بالكتابة والإبداع، وصار أغلبها يعتمد منهجية المعارف والأحبة، بما أفسد الكثير، وضيّع الفرصة على مواهب حقيقية، أن تأخذ حقها ودورها في الظهور كما تستحق. كما نتساءل عن دور اتحاد الناشرين في مصر، وضرورة أن يقوم بوقفة جادّة أمام تلك الظاهرة التي أفسدت الذائقة القرائية.

للأمر شجون كثيرة، ربما منها ما يسمى “ظاهرة البيست سيلر”، وهو ما يدلّ على خطورة الأمر، وكيف يمكن أن يفسد هذا الذي يجري ذائقة مصر الثقافية كلها، وهنا لا ينبغي لنا أن ننسى المسؤولية التاريخية لكل الموهوبين المصريين من كتّاب ومثقفين، وهي مسؤولية أخلاقية أصلا.

17