حفلة أقنعة

تفرض علينا الحياة أدوارها باختيارنا أحيانا وغصبا عنا كثيرا. وسواء تقمصت دور البطولة أو دورا هامشيا فإنه في لعبة الحياة لا دور يدوم.
الثلاثاء 2020/09/29
بين الماضي والحاضر

بالنسبة لي، أعترف بأني بدأت في التنكر أو التقمص أو التمثيل – كما تريدون – “من يوم ما وعيت على الدنيا”!

حينما كنت صغيرة، كانت كرة القدم لعبتي المفضلة، كنت الوحيدة في حيي التي تمتلك “كرة بو” كما يرددون (كرة جلد)، لا تظنوا أن استخدام كرتي في الماتش كان رشوة لمشاركة الأولاد اللعب، كنت أثبت كل مرة أني مدافعة فذة.. حتى أني تدرجت لأصبح كابتن الفريق.

ألعب كرة مع أبناء وبنات حيي والأحياء المجاورة حتى التاسعة ليلا، تحت ضوء الشارع.

كل ليلة يأتي بابا ليعيدني إلى المنزل. لا ينتهي الأمر هنا، كنت أعود في غفلة منه لاستكمال “الماتش” كل ليلة.. أكاد أجزم أني لاعبة كرة قدم في حياة سابقة!

كنت مولعة بألعاب الأولاد لا البنات، حتى صديقاتي أيضا، وكثيرا ما تساءلت عن هوية ذلك الذي وضع تقسيم الألعاب بين الجنسين وأي المقاييس اعتمد في ذلك.

ألعب “البيس” (الكجات) أيضا لم يحدث أن غلبني أحدهم.

أحتفظ بكيس “بيس” في منزل جدتي وكل مساء كان أولئك الأوغاد الذين قللوا من قدراتي يتوسلون أمام منزلي لأعيد إليهم بيساتهم التي خسروها.. ولا أفعل.

الغريب أن كل هذا يبدأ عند الرابعة مساء وينتهي عند التاسعة ليلا.

أذهب إلى المدرسة كل صباح وقد تقمصت شخصية أخرى.. تلبسني من رأسي حتى قدميّ.

كنت الأولى في الفصل وتحمر وجنتايا إذا كلمني المدرس.. يا للعجب.

أحرص كل الحرص على أن يكون أصدقاء المدرسة ليسوا أصدقاء الحي.. لا خلط بين الأصدقاء وبين الشخصيات.

كنت أتحول فعليا، ولا تعرف أمي كيف أتحول من “زعيم عصابة” كما تسميني إلى تلك الفتاة العاقلة الخجولة المواظبة.

لا أعرف أنا نفسي، لكني أؤكد أني لا أمثل.. كليهما أنا.

كبرت وعرفت معنى أن يكون برجك الجوزاء “ملك الشيء وعكسه” تقمُّص الشخصيات لعبتي إذا.. ولكسر الروتين غالبا.

تفرض علينا الحياة أدوارها باختيارنا أحيانا وغصبا عنا كثيرا. وسواء تقمصت دور البطولة أو دورا هامشيا فإنه في لعبة الحياة لا دور يدوم.

هي حفلة كوسبلاي  ضخمة – وهو اسم مختصر عن الإنجليزية costume play  بمعنى التنكُّر –  لكن مع فرق وحيد: استبدال أقنعة الشخصيات الكرتونية بوجوهنا الحقيقية.

بطل اليوم هامش الغد، والعكس.. صحيح غالبا.

أجدني اليوم تافهة حد التفاهة.. أضحك دون سبب.

أجدني كثيرا أيضا غارقة في الحزن حد الغرق.. أبكي دون سبب.

لا تعجبني شخصياتي اليوم.. لست أيا منها.

24