"حفلة التفاهة" لميلان كونديرا رواية تتهكم من الإنسانية

إدراك البنى والمؤسسات التي تحكمنا كبشر والتعمق فيها بوصفها سابقة على وجودنا يجعل هذه القيمة التي نسميها الإنسانية دون معنى، إذ نخضع لكمّ كبير من العنف الذي يكوننا كـإنسانيين من قبل مؤسسات تشكّلنا كما نحن.
السبت 2015/09/19
التفاهة التي يرسم كونديرا معالمها ترتبط بـجوهر الوجود

“إنه عصر أفول الفكاهات، عصر ما بعد المزاحات” هكذا يبدو موقف ميلان كونديرا في روايته الأخيرة حفلة التفاهة الصادرة عن المركز الثقافي العربي بوصفه الأشدّ عدميّة، إذ نراه يبحث في عمق القيمة الإنسانية التي استكشفها في أعماله السابقة، وماهية هذه القيمة وتشكيلها، إذ نرى أن كلّ ما يحيط بشخوص الرواية أقرب إلى لعبة فارغة أو مجردة من معنى، المفاهيم الإنسانية تنهار، الموت، الحياة، التعاطف، الحب، الشبق، الطاغية. شخصيات هشّة ممعنة في العدميّة تلك التي يرسمها كونديرا، وتحاول إيجاد معنى لحياتها التي قاربت على الانتهاء، إثر هذا تبرز الفكاهة في مواجهة هذه المفاهيم، والسخرية من التاريخ وحكاياته ومخلفاته التي تثقل الحياة اليوميّة.

التفاهة التي يرسم كونديرا معالمها ترتبط بـ”جوهر الوجود” حسب تعبيره، فلا قيمة جوهرية للأشياء، هي قيم يصنعها التاريخ والمؤسسات، نصوص من هيغل وشوبنهاور تحضر لترسم موقفه العدمي، ستالين يتحول إلى شبه مهرج يائس بوجه إرادته نفسها، معالم فرنسا الحضاريّة تصبح مدعاة للسخرية ويتم التبول عليها، لكن ماذا يعني أن يكون وجودنا نحن البشر تافها؟ ولم يستدعي هذا الوجود الضحك؟

أي رحلة نخوضها في اللامعنى، لأنها مسيّرة ولا خيار للإنسان/ الصخرة المتدحرجة من أعلى بها. نحن مجرد كائنات تسيّرها إرادة الكون حسب شوبنهاور الذي يستدعيه كونديرا، كائنات أنتجتها قوالب مؤسساتية بمعناها الواسع، أمّا التفاهة، فتكمن في حيواتنا ضئيلة الزمن أمّا ما نحمله من مفاهيم، نستميت للدفاع عنها، هي مجرد كلمات، وهوس لتبرير أوقات الفراغ وملئها، في حين أن الفكاهة، تنشأ من موقف المراقب، حين نرى الجهد المبذول من قبل الأفراد للانصياع لمعايير الجمال والإنسانية والأخلاق والتفاني في سبيلها، تظهر الفكاهة، لأن ببساطة، هذا الجهد لا يحمل معنى، أشبه بمهرجين أمام جمهور لا يبصر، أعمى.

لن يتغير شيء سواء انصعنا لهذه القيم أم لا، العجوز الخمسيني في الرواية يطلق النار على أنف تمثال الملكة الفرنسيّة “ماري دوميديسي” و يكسره، إهانة عميقة لتاريخ فرنسا يختزنها هذا الفعل الذي قام به العجوز في حديقة اللوكسمبورغ أشهر حدائق باريس، لكن شيئا لم يتغير، التاريخ لا يحمل معنى إلا عبر تمثيلاته، والتي تبدو لنا الآن تافهة لأننا لسنا على صلة معها. الفكاهة تكمن في السلوكيات التي نقوم بها لإقناع أنفسنا بوجود هذا التاريخ (الآن/هنا) بالرغم أنه لم يبق منه إلا تماثيل ونصوص. لكن، الشأن أعمق، الصيغ والقيم الأخلاقية للإنسانية لم نخترها، بل ونبذل جهودا مضنية للحفاظ عليها، لكن لم؟ سنموت تعساء ووحيدين، الفكاهة التي تتجاوز الضحك والتهكم حسب كونديرا لم تعد موجودة الآن، الفكاهة اللانهائية، تلك التي تطفو فوق كل شيء وتشكل أساسه، تظهر في أشد التمثيلات، وأكثرها تفاهة، هي “الحاضرة في المكان الذي لا يرغب أحد برؤيتها فيه: في الفظائع، في المعارك الداميّة، في أسوأ المصائب”.

الوجود البشري، كمن يحاول الحفاظ على فقاعة صابون ويبالغ في حمايتها فقط لأن انعكاس الشمس عليها يشكّل ألون قوس قزح، لكن حقيقة، هو لا يحمل قيمة، الفكاهة التي يستعرضها كونديرا والمرتبطة بالتفاهة، مشابهة للجهد الذي قد يبذله أحدهم للحفاظ على الفقاعة السابقة في ظل عاصفة، أما كلمة “حفلة” التي تعنون الرواية، تحيل إلى الجهد الجماعي لنا كبشر للحفاظ على هذه الفقاعة الصابونية التي تحمل التاريخ والقيم والأخلاق، هي “حيويّة غير مجديّة” تلك التي نمتلكها في سبيل الاحتفاء بهذا “اللاشيء” الذي يشكل أساس حياتنا، حتى مفاهيم الموت والحياة وحقيقتهما كقيمة جوهرية ينصبان نهاية في اللاجدوى، نحن لم نختر شيئا منهما، لا متى نولد ولا كيف سنموت، حتى الانتحار يصبح مبتذلا، أما القتل فهو انتصار طفيف، معادل لكراهية الإنجاب وفرض الحياة على كائن آخر، ثنائية “القتل–الإنجاب” تبدو مواجهة للتفاهة لكنه تفتد للفكاهة، هي خيار تراجيدي سيجعلنا أكثر انصياعا للنظام الأخلاقي، هي أشبه بخلل في النظام الإنساني لتحولينا إلى مذنبين.

كما تبول العجوز الخمسيني في حفلة التفاهة على تمثال فالنتين دوميلان دوقة أورليانز، كونديرا، كأنه يدعو للتبول على القيم التاريخية التي لا تحمل معنى، تمثيلات التاريخ لا تحمل قيمة جوهريّة، تمثال، كتاب، صورة. لنستعد عصر الفكاهة، الضحك بوجه كلما يحاول أن يكسب هذه الحياة معنى التي في جوهرها ليست إلا ملاكا يسقط من السماء.

17