حفلة تكاذب لبنانية

الأربعاء 2014/07/23

كانت حفلة تكاذب أخرى بين اللبنانيين. اسم الحفلة نشرة أخبار موحّدة للمحطات التلفزيونية اللبنانية من أجل غزّة. كان الجميع مربكا على الرغم من الابتسامات المتبادلة. الإرباك أكثر من مفهوم ما دام ليست هناك نشرة أخبار موحّدة تدين ما يقوم به النظام السوري في حقّ شعبه. لم تكن نشرة الأخبار الموحدة في شأن غزّة غير تمثيلية فاشلة انخرط فيها السذّج الذين قبلوا الدخول في لعبة خطط لها بعض العاملين في خدمة النظام السوري، من الخاضعين لمشيئة «حزب الله» الإيراني.

أراد هـؤلاء استخـدام المحطـات التلفزيونية اللبنانية من أجل تغطية جرائم النظام السوري في حقّ شعبه لا أكثر ولا أقلّ. هذا كلّ ما في الأمر. لم يوجد مسؤول في محطّة من المحطّات يمتلك ما يكفي من الشجاعة والجرأة لرفض الدخول في لعبة معروف سلفا من خطّط لها، كما معروف الهدف منها.

لن تقدّم حفلة التكاذب أي إيجابية، لا لشيء سوى لأنّها مساهمة في بيع أهل غزّة الأوهام التي لا تعني شيئا على الإطلاق. يكـذب اللبنـانيون على أنفسهـم ويكذبون على الفلسطينيين في الوقت ذاته. هنـاك حرب إسرائيلية لا هوادة فيها على غزّة. تتطلب هذه الحرب وقفة تتسّم بالشجاعة وصريحة من «حماس»، ومن الأسباب التي دفعتها إلى توفير المبررات التي جعلت إسرائيل قادرة على قتل كل هذا العدد من الفلسطينيين، من دون أن يوجد من يقول لها إنّ كفى تعني كفى، وأن الردّ على العسكري الإسرائيلي مبالغ به وأنّه ليس مسموحا معاقبة شعب بكامله، بنسائه وأطفاله، على عمل قامت به مجموعة فلسطينية في أزمة عميقة مع نفسها أوّلا، ومع مشروعها السياسي الذي لا علاقة له بالواقع ثانيا وأخيرا.

كان يمكن تفهّم النشرة الموحّدة، التي كانت أقرب إلى حفلة زجل من أيّ شيء آخر. نعم، كان يمكن فهم لماذا حصلت حفلة الزجل هذه التي خطط لها أولئك الذين لم يضمروا الخير للبنان يوما بسبب تعصّبهم المذهبي، لو كان هناك قبل كلّ شيء موقف واضح لا لبس فيه من النظام السوري.

في كلّ مرّة أراد أحدهم تبرير جرائم النظام السوري وتبرير ارتكاباته في سوريا وفي لبنان وفي العراق وفلسطين، كان هناك من يرفع صوته ويقول إن المطلوب عدم إضاعة البوصلة.

نعم، فلسطين هي اتجاه البوصلة، ولكن من قتل من الفلسطينيين أكثر؟ من تفوّق على إسرائيل في قتل الفلسطينيين في لبنان وخارج لبنان؟ من شرّد فلسطينيي مخيّم اليرموك قرب دمشق في تاريخ لم يمرّ عليه الزمن بعد؟ كم عدد الفلسطينيين الذين قتلهم النظام السوري في اليرموك وقبل ذلك في تلّ الزعتر وصبرا وشاتيلا؟ ألا يستأهل هؤلاء نشرة أخبار موحّدة من المحطات التلفزيونية اللبنانية؟

يبدو أن قتل النظام السوري للفلسطينيين حلال الحلال، في حين أن قتل إسرائيل لهم حرام. لا مبرّر لقتل الفلسطيني، لا على يد الإسرائيلي ولا على يد النظام السوري. القتل اسمه القتل ولا شيء آخر. لا مبرّر للقتل حتى لو كان هناك من استخدم صوت محمود درويش وإحدى قصائده لتغطية الكذبة الكبرى المتمثّلة في نشرة الأخبار الموحّدة للمحطات اللبنانية. هل بين الذين استعانوا بصوت محمود درويش ونصّ له من يعرف شيئا عن رأي محمود بالنظام السوري؟

من يريد بالفعل خدمة غزّة والتضامن معها يقول الحقائق كما هي. يكفي من أجل ذلك سرد الوقائع، بما في ذلك أنّ «حماس»، التي هي جزء لا يتجزّأ من تنظيم الإخوان المسلمين، افتعلت حربا مع إسرائيل بهدف واضح كلّ الوضوح. يتمثّل هذا الواقع في إحراج مصر من جهة، والسلطة الوطنية الفلسطينية من جهة أخرى.

من الأفضل عدم إضاعة البوصلة. هناك ظلم في حقّ الشعب الفلسطيني. لكنّ هناك ظلما أكبر في حقّ الشعب السوري. لا يمكن بأيّ شكل تجاهل ما يحصل في سوريا وما يتعرّض له مسيحيو العراق. لا يمكن بأي شكل تناسي من قتل رفيق الحريري ورفاقه ومن ارتكب كلّ هذه الجرائم بحق خيرة اللبنانيين.

لا يمكن تناسي حرب صيف العام 2006 المفتعلة التي استهدفت بين ما استهدفت الاستعانة بإسرائيل لتغطية المشاركة في اغتيال رفيق الحريري. لا يمكن تناسي الاعتصام الطويل في الوسط التجاري لبيروت من أجل إفقار العاصمة اللبنانية ونشر البؤس فيها وتعطيل الحياة الاقتصادية وتهجير اللبنانيين من بلدهم.

لا يمكن تناسي غزوة السابع، والثامن، والتاسع، والعاشر من أيّار- مايو 2008. استهدفت تلك الغزوة بيـروت والجبل الدرزي.

ألا يستحق أهل بيروت والجبل اعتذارا.. أو أقلّه نشرة أخبار موحّدة بعد الغزوة؟ وقتذاك عطّل مسلحو «حزب الله» تلفزيون «المستقبل» بعد اقتحامه بقوّة السلاح. اعتبروا ذلك جزءا، لا يتجزّأ، من «يوم مجيد» مهّد لتأكيد السيطرة على بيروت وجعلها مدينة إيرانية على شاطئ المتوسط.

عيب على اللبنانيين الضحك على أنفسهم. كلّنا مع غزّة. هذا واضح لا لبس فيه، ولكن لا أحد يستطيع تجاهل اللعبة «الحمساوية» والهدف منها والتي تلتقي في نهاية المطاف مع اللعبة الإسرائيلية.

هناك بكلّ بساطة حاجة إسرائيلية إلى منطق اللامنطق لـ«حماس» من أجل تبرير تعطيلها عملية السلام وتمسّكها بالاحتلال. انسحبت إسرائيل من غزّة صيف العام 2005 من أجل الإمساك بطريقة أفضل بجزء من الضفّة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية. هذا ما يفترض أن يعرفه اللبنانيون. يفترض بهم معرفة أنّ الوقوع في الفخّ الذي نصبه لهم «حزب الله» والدائرين في فلكه غير مبرّر بأي شكل.

من يقف مع فلسطين لا يمكن أن يقف ضد الشعب السوري، وأن يشارك في عملية ذبحه من منطلق مذهبي بحت. من يقف مع فلسطين ومع غزّة يرفض الكذب والتكاذب. من يقف مع فلسطين حقّا يتذكّر أنّ النظام السوري قتل من الفلسطينيين أكثر بكثير مما قتلت إسرائيل، وأن محمود درويش كان يعرف ذلك قبل غيره…

هناك، في أقلّ تقدير، ما يزيد على مئة شاهد على ذلك وعلى حقيقة ما كان يشعر به محمود درويش تجاه النظام السوري الذي رفض في كلّ وقت تغطية ارتكابات هذا النظام وموقفه من ياسر عرفات!

الكذب والتكاذب لا يخدمان فلسطين. الكذب والتكاذب لا يفيدان لبنان واللبنانيين ولا يُؤمّنان انتخاب رئيس للجمهورية اللبنانية. نعم الشعب الفلسطيني وحده. أخطر ما يمكن أن يحدث هو التكاذب، ولا شيء غير التكاذب، من أجل تغطية الجريمة التي مسرحها سوريا. لا يمكن لجريمة مهما كانت كبيرة تغطية جريمة أخرى، حتى لو استخدم من أجل توفير التغطية أفضل نوع من أنواع التكاذب وأكثر هذه الأنواع تطوّرا.


إعلامي لبناني

8