حفل توقيع

قيمة الأشياء بأثمانها، ولا قيمة لسوقنا الثقافي ولمطبوعاته المجانية ما لم تتوفر شروط التقليد والدعم الماديين للكاتب، بصرف النظر عن المحتوى الذي حمله "الكتاب المُهدى" بهذه الطريقة.
السبت 2018/02/24
روحية الانتقاء للذائقة القرائية

على هامش معارض الكتب أو في القاعات الأنيقة المغلقة، أو في أروقة دور النشر والتوزيع، ثمة أصداء إعلامية تشير إلى حفل توقيع كتاب جديد للكاتب الفلاني.

وحسب دار النشر ومستوى مكانتها، أو وفق سمعة الكاتب وجمهوره، ثمة مائدة وكرسي ونماذج من الكتاب الجديد، يتجمهر حوله المريدون والمعجبون والقرّاء لتذييل النسخ بتوقيع الكاتب.

بعض الإهداءات مجانية وفجّة على نحو “أهديك كتابي هذا مع التقدير”، وبعضها الآخر مقابل ثمن واحترام للمنجز الثقافي وبجملة بلاغية ساحرة، فالحفل في نهاية المطاف لا يعني الكثير عن جودة الكتاب والكاتب.

نعم نستطيع أن نقرّ هنا وفي هذه المساحة المحدودة، إنه تقليد أوجدته بلدان الغرب، وحاولت دور النشر العربية تقليده، لكن من دون نقل المعايير الحقيقية لحفل التوقيع العالمي بكل ضوابطه وأصوله.

يتبنّى الكاتب توزيع منجزه على النخب الثقافية والمعارف وجلب الأقارب من دون معرفة جدية من القارئ في تفحّص المحتوى أو حتى تقليب صفحاته، فيكتفي “المهدى إليه” بتصفح فهرسته أو تأمل لوحة الغلاف وقراءة الكلمات القليلة في الغلاف الخلفي، ثم ينتهي بركنه في زاوية مهملة من رفوف مكتبته الديكورية ولا عودة مستقبلية له.

هذا التقليد قد قتل روحية الانتقاء والفحص السليمين للذائقة القرائية، من دون أن نترك للقارئ حرية اختيار الكتاب الذي يرغب، والذي ينسجم مع ذائقته. هنا مصادرة لسلطة القارئ وحرية الاختيار في حفل التوقيع الاحتفالي.

بتلك الطريقة يحقق الكتاب مشروع موته في مكتبة القارئ الكسول بفعل تلك المجانية والاحتفالية الزائفة. أستحضر هنا فكرة بارعة لبورخيس في رغبته الدائمة بتجديد مكتبته وجعلها مكانا معرفيا متحركا، حيث تعد الفكرة الألمع من جمودها، عندما تتحوّل إلى مقبرة يغطي سطحها الغبار. أحيانا ينتظر “المُهدى إليه” وجهات نظر الآخرين في قيمة الكتاب ومدى تأثيره ورواجه حتى يشرع بالقراءة الجادة له متأثرا بالثقافة السمعية.

وهناك محور آخر أيضا في آلية التوزيع يُعتمد فيها كليّا على توزيع الناشر من دون الاعتماد على الطريقة المجانية. يعتقد قراؤها أن شراء الكتاب هي الطريقة الثقافية المتحضرة التي تحقق قيمة معنوية عليا للكاتب والكتاب وذلك هو الأفضل عالميا. وحسب وجهات نظرهم يعتقدون أن الطريقة “المجانية” أسقطت منزلة وقيمة الكتاب الفكرية والمعرفية والأدبية. ويعتبرونها من العادات السيئة التي ألحقت الضرر في المنتوج الفكري خصوصا في تفشّي هذه الظاهرة في محافلنا الثقافية الهشة التي ابتعدت كثيرا عن التقاليد العريقة.

حتى في محافل وتقاليد ثقافية مستوحاة من تقاليد الغرب في توقيع الكتاب لمنتجيه أيضا هناك تقاليد راسخة، يجب أن نتوخى الدقة في ترجمة فائدتها المرجوّة، منها على سبيل المثال التعريف بالكاتب والكتاب والحديث عن المحتوى وظروف كتابته، وهي بذلك تحقق الترويج الذكيّ للكتاب.

ثمة ميديا ثقافية ترافق عملية إنتاج الكتاب، إذ يعمل مدير التوزيع في الدار العالمية عندما يطلق حملة تقارب حملة المرشحين للانتخابات، إذ يعتمد الملخصات بكلمات قليلة شريطة حضور الناشر أو الموزّع في تلك الحملة، لتكون بديلا ناجعا عن حفل توقيع الكتاب الذي ربما تكون الحاجة له بعد مرور سنة أو سنتين، ولأن التقاليد الثقافية الرصينة قد انزاحت لدينا كثيرا عن مستوياتها الطبيعية، حتى راح الكاتب “المسكين” في محافل التوقيع اليتيمة تجده يوزع كتابه بطريقة عشوائية ومجانية أحيانا ليحسّن من صورته ككاتب عظيم أمام الناشر، فتراه يعرض كتابه بنسخ معدودة أمام جمهوره لينتهي حفل التوقيع أيضا بالطريقة الساذجة في التوزيع المجاني.

إن قيمة الأشياء بأثمانها. ولا قيمة لسوقنا الثقافي ولمطبوعاته المجانية ما لم تتوفر شروط التقليد والدعم الماديين للكاتب، بصرف النظر عن المحتوى الذي حمله “الكتاب المُهدى” بهذه الطريقة.

هناك بعض القراء والقلة المُخلصة لطقس القراءة يرفض الإهداء المجاني ويصرّ على شراء الكتاب بكل شغف، إحساسا منه بقيمة الكتاب وحرية الانتقاء. ثم يبحث بعد الشراء عن الكاتب ليذيّله بتوقيعه مع التقدير.

13