حفنة ألماس

الرهباني هو ذلك "الشخص" الذي اكتسب مع الزمن خبرة للتخفي من الناس والعيش في عزلة، وقد يكون متخفيا في دهاليز الأرض.
الأحد 2019/02/10
جزء علوي لا يعرفه العامة في مدينة الكاف التونسية

منذ عشرة أعوام أو تزيد قليلا، كنت أنا وصديقتي نقف في محطة حافلات الحي الجامعي مفلستين تماما، كان يوم سبت وكان الفصل شتاء والمكان مقفرا.

لا جديد في الأمر فنحن دائمتا الإفلاس بشعار “اصرف ما في الجيب يأتِك ما في الغيب”.

كنا ننتظر الحافلة لنذهب إلى مركز البريد لسحب حوالة أرسلها لي أبي.

أتت الحافلة بعد انتظار طويل. ولكن، ولسوء الحظ أو لحسنه، فقد كان مكتب البريد قد أغلق أبوابه.. لقد تأخرنا.

دخلنا في نوبة ضحك ماذا سنفعل في “الويكاند” (عطلة نهاية الأسبوع)؟ لقد تبخّر حلمنا بعشاء لذيذ في مطعم محترم والعودة في سيارة أجرة إلى الحي الجامعي، بعد أن خضّنا سائق الحافلة خضّا في رحلة الذهاب.

ثم قررنا العودة إلى الحي الجامعي أين نقطن مشيا.

وفي طريق العودة مررنا بمقبرة وخطرت لي فكرة “لماذا يا عبير لا ندخل المقبرة، ما دام لا شغل لنا، ونختار قبورا مهملة لنقرأ على أصحابها الفاتحة؟”.

أعجبت صديقتي بالفكرة. فقد كانت مجنونة مثلي تماما.. ودخلنا المقبرة وبدأنا المهمة.

وفجأة ظهر أمامنا رجل رث الثياب في الخمسينات من عمره أو يزيد، لكن محياه يوحي بالراحة والطمأنينة، وقال “هلا تساعداني في العثور على قبر فلان، مرت 30 سنة منذ آخر زيارة له ونسيت أين قبره”.

بحثت أنا وصديقتي دون كلل أو ملل لكن فشلت المهمة. قال الرجل “لا بأس″. أدخل يده إلى جيبه ومد إلى صديقتي حفنة ألماس، ومثلها أو يزيد فقدمها لي. قلنا “لم نفعل شيئا يستحق الألماس″ لكن الرجل كان قد اختفى.

مرت سنوات على الحادثة لكنها مازالت محفورة بذهني وأسأل نفسي هل هناك طيّبون إلى هذه الدرجة أم أنه اعترضنا أحد الرهابين (جمع راهب أو رهباني) الذين يملأون قصص الجدات.

في مدينتي، الكاف الجميلة، كما تقول قصة جدتي، جزء علوي لا يعرفه العامة، أعلى من حصن القصبة بكثير، سماه العرب “الدير” لأنه كان فيه دير أرثوذكسي، لا يحبه أهالي المدينة بسبب مشقة الصعود إليه ثم إنه ليس فيه سوى صخور عملاقة يسكنها رهابين، يكفي أن تمسك بأحدهم وتتعاهدا حتى تملك الجاه والثروة الطائلة.

والرهباني هو ذلك “الشخص” الذي اكتسب مع الزمن خبرة للتخفي من الناس والعيش في عزلة، وقد يكون متخفيا في دهاليز الأرض.

أجدني اليوم أتساءل “هل فوتُّ فرصة عمري في الحصول على الثروة؟”. لكني أجيب ساخرة انطلاقا من شعار: اصرف ما في الجيب يأتِك ما في الغيب، “لم ولن يستقر المال أبدا في يدي، كنت سأضيّع الثروة كما أضعت حفنة الألماس التي أغمي على الصائغي عند رؤيتها، وكاد يبلّغ عني البوليس″.

24