حفيد يتخلص من وصايا جده بعد انهيار العائلة

رواية "وصايا" للكاتب المصري عادل عصمت لا تتوقف عند التغيرات التي حلّت بداخل أسرة سليم وتشتتها، وإنما ترصد أيضا التطورات في المجتمع المصري.
السبت 2019/10/05
انقلاب الأجيال على بعضها البعض (لوحة للفنان حاتم المكي)

فكرة الخلاص أو التحرّر واحدة من الأفكار التي اشتغل عليها الكاتب المصري عادل عصمت في الكثير من أعماله، وهو ما رأينا عليه شخصيته يوسف تادرس في رواية “حكاية يوسف تادرس” حيث كان تائهًا وراح يبحث عن خلاص ذاته، إلى أن اكتشفه بعد سلسلة من الإخفاقات في الحب. أو ما سعت إليه شخصية ريم بطلة رواية “حالات ريم”، فوجدته في الطلاق من زوجها، وهو الأمر الذي يستمر مع روايته الأخيرة “الوصايا”.

 تستمر فكرة السعي إلى الخلاص  في الرواية الأخيرة للكاتب المصري عادل عصمت والتي جاءت بعنوان “الوصايا”، على نحو ما سعى بطل الرواية صالح سليم إلى الخلاص من وصايا العائلة تمامًا.

البطل لم يحقق الخلاص من هذه الوصايا فقط من خلال هجرته وطيرانه الدائم خارج المكان، بل بما فعله في نهاية حياته، حيث كتب في وصيته بألّا يُدفن في مدافن العائلة، وهو ما سبّبَ أزمة حادّة لأخته فاطمة، عندما رفض ابنه مصطفى أن يُحضر الجثة إلى البلد. والصورة الأكثر تعبيرًا عن هذا الانفصال هي حذف اسم عائلة سليم من على المقبرة، وهو ما رآه الراوي الذي كان يصفه الجد بالساقط. وحمد الله أن عمته فاطمة لم ترَ.

رواية الأجيال

رواية “الوصايا”، الصادرة عن الكتب خان والتي بلغت القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية في دورتها لهذا العام، تنتمي إلى روايات الأجيال، وهي تيمة متحقّقة بصورة لافتة في الرواية المصرية. في ظني أن الكثير من كتابات عادل عصمت الروائية، تدور حول هذه الفكرة، حيث سعي الأجيال الجديدة إلى كسر الأبوية المفروضة من هيراركية الحكم داخل الأسرة. الإطار الزمنيّ للرواية يبدأ من عشرينات القرن الماضي، وصولاً إلى العقد الأوّل من الألفية الثالثة، وفيها يقطع الشيخ عبدالرحمن السبعين من عمره.

ومن ثم نلاحظ التحولات في عالم الأسرة؛ حيث يأخذ عالم الشيخ عبدالرحمن في التهاوي تدريجيًّا، لأنه ظل متعلقًا بالمفاهيم القديمة، على الرغم من حركة التطورات التي كانت تمر أمامه، ولم يلتفت إليها، وأبرزها أن سلطة المال التي كانت في يد نبية زوجة علي سليم، بما تمتلكه من مهارات، مكنتها خلال فترة قصيرة ودون أن تطلب، من أن تصبح مركزَ “تيسير الأعمال في الدار” وهي بالطبع معرفة حياتيّة، زحزحتها سلطة العلم، التي امتلكها نعيم بحكم دراسته.

ثم ظهرت بصورة جليّة في الرغبة في الانفصال من سطوة المكان، وهي محاولات بدأت تدريجيًّا، وبإرسال إشارات أولاها تمرّد علي سليم، ثمّ استطاع الشيخ احتواء أزمة ابن أخيه، وبعدها ابنه الشيخ صالح الذي رفض الزواج من فادية بنت علي سليم، ثمّ جاءت موافقته لاحقًا خشية أن يعصي أباه، وهو ما تحقّق بصورة لافتة بزواج نعيم بسعاد مدرسة العلوم، التي كانت تخرج بملابس مدنية، ثم ثورتها للانفصال.

كل هذا كان يشير إلى انزواء عالم الشيخ القديم، وهو ما تأكّد بعد بناء البيت الجديد؛ حيث رفض الشيخ الإقامة في البيت وأحسّ بغربة، وفرّ إلى شرفة الست كوثر، بما يكنّه لها من حبٍّ خفي، رفض الاعتراف به، ولم يأتِ الاعتراف به إلا في محنة مرضها.

تبدأ الرواية بتاريخ مفصلي في حياة العائلة، هو الأربعاء 20 ديسمبر 1978. على الرغم من أن أحداث الرواية بعد هذا الاستهلال ستوغل في الارتداد إلى التاريخ حيث يعود إلى أوائل العشرينات، ساردًا عن حكاية بيت سليم، وما حاق بأفراد العائلة. لكن التاريخ المسجل كعتبة عنوان خارجي، لا نصل إليه إلا في نهاية القسم الأول من الرواية، وهو يمثّل تاريخ وفاة الجد بعد فترة العزلة التي قضاها في غرفته لمدة تسعة أيّام، بعد حادثة النساء الشهيرة، التي جاءت تأكيدًا على انهيار عالمه. تواريخ العائلة تتوازى مع التاريخ العام، حيث النكسات التي مرّت بها الأمّة العربية، وهو ما يعني أن الراوي سعى إلى الربط بين انهيار الخارج وأزماته، وأزمات الداخل.

 رواية أجيال تسرد تاريخ بلد
 رواية أجيال تسرد تاريخ بلد

 يتخذ الرّاوي الذي كان في الثامنة عشرة من عمره في ذلك الوقت، من هذا التاريخ نقطة استعادة لماضي العائلة التي عاشت فترة عصيبة. وقد عنون لكل فصل من الفصول بوصية من وصايا الجد لحفيده، هكذا: خلاصك في مشقتك، إياك والعمى، المتعة عابرة كالحياة، كن يقظًا وقت الأفراح، الثروة مثل الدابة عليك أن تسوقها، احذر أن تقتل أخاك، الأحزان سموم القلب، تحمّل الألم، المحبة دواء أيام الباطل، أعظم الفضائل في التخلي.

التعامل مع الحياة

في الرواية عالم القرية حاضر، ويستعيده الكاتب بكل ألقه، وبأوصافه التي ينسجها على الشخصيات، فنبية زوجة علي سليم “طويلة لونها مثل لون القمح أوان النضج، ملامحها دقيقة، وجهها نحيل، سواد عينيها داكن يظهر عمقه عندما تغضب، ويشع كأنه ضوء على مرآة”، وعلي سليم في مرضه أحس أنه “مثل عود ذرة ناشف”.

يتميز نص الوصايا بلغة محليّة بامتياز، بدلالتها التي لا تفارق واقعها، لغة حيّة نابضة بعفوية الأداء في المشهد الذي قيلت فيه، نستخدمها في حياتنا؛ في غضبنا وفرحنا، ومن هذا عندما غضب نعيم على زوجته سعاد قال لها “قومي انجري روّحي واوعي تعتبي الدار مرة ثانية”.

تبرز في الوصايا علاقة الفلاح بالأرض، وهي علاقة تلازم ظاهر بصورة لافتة، فعندما تدور الحكايات عن سعد الذي بدّد الأرض خلف الرّقّاصات يقول الحاج قرشي للشيخ عبدالرحمن “أنت لن تُفرط في شبر من الأرض ولو قطعوك”. فالأرض بالنسبة لهم هي النقود. فالنقود هي الأرض والحياة معا، كما ذكر الشيخ.

وفي فترة الشيخ الأخيرة راح يتردّد على الأرض، وعندما سُئِل من قبل فاطمة عن سبب تكرار الزيارة بعدما أصابت هذه الزيارات الجميع بالاندهاش أجاب قائلا “إنه يجد راحته هناك”، فعلى حدّ قوله الأرض “تفهم أكثر من الناس”. وعندما يمرّ الشيخ على الأرض ويرى ما أصاب محصول القطن من انتشار الدود، تزداد نقمته على عليّ سليم، وراح “يفكر فيما يفعله الآن هل كان عليه أن يزرع الأرض بنفسه؟ هل كان عليه أن يرعى كل شجرة؟ بل يعتبر أن “علي سليم خانه”.

مثلما قدمت الرواية شخصيات “نمط” من الرجال، قدمت بالمثل صورة مماثلة للمرأة، في صورة شخصية كوثر حبّ الشيخ الذي رفض الاعتراف به، بحكم أنها زوجة صديقه نور الدين. كما ظهرت المرأة بصورة قوية، على نحو رفض كوثر لزواج زوجها من فتاة صغيرة من أجل الخلفة. وبالمثل تظهر قوة شخصيتها في تدخلاتها، فهي الطريق إلى عقل الحاج المتحجّر، ذهبت إليها فاطمة ابنة الحاج وسره عندما أصرّ الحاج على تزويج صالح بفادية، لكن الشيخ رفض، وعادت إليه مرة ثانية في أزمة طرد النساء عندما حدثت المعركة التي أكّدت انهيار إمبراطوريته، فاستجاب.

لا تتوقف الرواية عند التغيرات التي حلّت بداخل أسرة سليم، والتشتّت الذي صار عليه أفرادها، وإنما ترصد أيضًا التطورات في المجتمع، سواء على مستوى تبدل نسق العلاقات بين أفراد القرية، وعلو الأنا كما وصفها الشيخ، بل اتّهم الشيخ نفسه، عندما فكّر في موت كوثر، وتأثيره عليه، بل أيضًا نمط الحياة والمجتمع، والحروب التي مرّت بها البلاد وتأثيرات هذا على الواقع، حيث الشباب بعد الحرب وعودتهم من الجيش لم يَعُودوا يفكّرون في الأرض بل أخذوا يفكرون في الهجرة.

مرّر الكاتب في الرواية فلسفة عميقة عن الحياة وكيفية التعامل معها سواء عبر الوصايا العشر التي قدمها الجدّ لحفيده، أو من خلال تعامل الشيخ مع أفراد العائلة، وعلاقته بكوثر التي كشفت عن جوانب فلسفية عميقة تتعلق بالحب، وفكرة البحث عن الروح أيًّا كانت النتيجة، فذهاب الشيخ بحثًا عن روحه التي كانت تألف مكان كوثر كلّفه إشاعات كثيرة، إلا أنه لم يبال.

وهي دعوة من الكاتب لنا بأن نمسك بالحبّ، فهو نقطة الضوء التي تغسل عكر الأيام وتبدّد سخم الأوجاع. لا يُخفى على القارئ أن روح نص “أيام الإنسان السبعة” لعبدالحكيم قاسم، تسري داخل النص، سواء في خلق شخصيات نسائيّة قوية، أو في انهيار عوالم الجماعة، أو حتى في اللُّغة الصوفيّة.

15