حفّار القبور

السبت 2015/05/23

“إخواني.. مطلوب عمال عدد ٢ للحفر وتنزيل الجثة للقبر، لكل من يرغب في التسجيل الرجاء قم بإرسال السيرة الذاتية (cv) برسالة للصفحة أو الاتصال على الأرقام التالية (…)”. هذا ليس حوارا في مشهد رعب، بل فحوى الرسالة “الفيسبوكية” التي نشرها مؤخرا السيد حفّار القبور على صفحته ذات الـ21 ألف متابع.

تصل لمتابعيه ساخنة وخشنة مثل رمال مدينة النجف العراقية، حفنة من رسائل يومية: هذا شغلي (عمل من صنع يدي) “شنو رأيكم يا شباب؟ مرمر غامق حسب الطلب”.. يخاطب الدفّان الشباب من متابعيه وهو يجانب واجهة قبر دشن حديثا، وكذا، “السلام عليكم، أنا الآن في المغتسل أنتظر جثة شهيد في الطريق، أدعو لي بالصحة والعافية والرزق الحلال!”

في حين، تتدلى رسائل العتاب من زوايا صفحته كما تتدلى جلود الزواحف على حافة شاشة تعرض فيلما لعالم الحيوان: “أعزائي، في الفترة الأخيرة فتحت حسابات كثيرة باسمي في الفيسبوك وأنا غير مسؤول عن الإساءات التي فيها، أنوه إلى أن هذه هي صفحتي الرسمية، ولا تنسوا الدعاء لي بالصحة والعافية”.

وعندما يرفع العتب وتنكس راية الحزن، تستقر رسالة حالمة مفادها: “الله يحفظ الأخوة الدفانين، الآن في المطعم” والصورة المرفقة لثلاثة من رفاق السلاح يبتسمون للكاميرا بعد يوم (حفر) شاق. أما العروض التجارية فتأتي على النحو التالي: “إخواني، ملاحظة: حصلت على قطع من أراض في مقبرة كربلاء، وصار لدي فرع فيها للراغبين في الدفن هناك”، أو “هذه القبور لثلاثة أشقاء استشهدوا في يوم واحد، السعر بالجملة وتخفيض خاص للشهداء”.

أما حكمة اليوم فتقول: “بعض الإخوة سألوني؛ إذا كان الميت طوله مترين فما فوق فكم تكون التكلفة؟ الجواب: إذا ميت طوله (10) أمتار أو طوله (1) متر، فالسعر واحد لأن الحفرة ستكون على طول الميت، لكن السيراميك (الذي يبنى كواجهة) يبقى بنفس الحجم ولا علاقة له بالميت … أدعوا لي بالصحة والعافية”. هل هذه مزحة ثقيلة، وهل ستكون الابتسامة ردا عضليا واحدا في مثل هكذا موقف؟

كيف يمكن أن يكون رزقه حلال من يزرع كل هذه الأحزان في قلوب الناس؟ ليس تعاليا، هذا لأن مهنة حفّار القبور مثلها مثل أي عمل شريف آخر، أما أسرارها التي تبعث على القشعريرة في النفوس، فهي شأن صاحبها وتجارته المتأتية من التكسب من الموت أيا كانت تفاصيله سواء أكانت تكفين الموتى أو قراءة القرآن الكريم على أرواحهم أو بناء قبورهم. لكن الطريقة التي يروّج بها هذا الكائن الغريب لمهنة تحمل كل هذا الكم من الحساسية الأخلاقية والدينية، تدعو للحزن والريبة معا وقد لا تدعو إلى هذا أو ذاك، لمن جانبها وعاش تفاصيلها دفّانا لا ميتا.

يعمل هذا الدفّان العتيد في مقبرة وادي السلام في مدينة النجف العراقية، والتي تعد من أكبر مقابر العالم حيث تحتوي على ما يقارب ستة ملايين قبر. ليست هنالك بيانات محددة عن عدد الوفيات التي ترد إلى “وادي السلام” يوميا أو شهريا، لكنها كانت وما زالت تضم رفات موتى صراعات وحروب عراقية لا متناهية، ضحايا حرب الثماني سنوات من مدنيين وعسكريين، ضحايا الاحتلال الأميركي، ضحايا صراعات العنف الطائفية وصور أخرى قاتمة لم تعد تستوعبها مساحة المقبرة التي تمت توسعتها غير مرّة، حتى تداخلت مع الأجزاء العمرانية للمدينة. سأفترض بأنها مزحة سمجة، قفزت سهوا من عالم افتراضي لا أكثر. أشعر بالغثيان!

21