حقائب

الأربعاء 2015/03/18

كم حملتها معي!.. من بلد لبلد ومن بيت لبيت ومن محطة لمطار وميناء ونقاط تفتيش.. من بداية لأخرى ومن صِفر لآخر.. من وجع لوجع ومن حرب لحرب.. كنت أنوء بترتيبها وحزمها وحملها والسفر بها، فهي رفيقة الدرب قبل أي رفيق.. وكنت أجهد في فتحها من جديد وإعادة محتوياتها لأماكنها الجديدة النهائية أو المؤقتة والمفترضة..

كم منها أثارت قلقي عليها في المطارات وكم مرة أجهشت من أجلها بالحزن والافتقاد وكم من مرة هللت فرحا إذ وجدتها نصب عيني من جديد.. حقائب من كل نوع وصنف وحجم ووزن.. أحملها تارة في يدي أو أضعها على كتفي أو ظهري.. وتارة أخرى على قلبي وبين جوانحي وفي رأسي.. بعضها خفيف قلّ حمله وزادت غلاوته.. وبعضها ثقيل يكسر بثقله الجسد والنفس والضمير..

منها للأمتعة.. ومنها للكتب والقصائد والأوراق أو للصور والوثائق.. منها للنفائس واللوحات والتحف والمقتنيات.. وأخرى للأسرار والأمانات.. حقائب من أفراح ومسرات أو أحزان وأمراض.. وحقائب للنجاحات والإبداعات وأخرى للأخطاء والإخفاقات.. حقائب من أحبة راحلين.. وحقائب من جثث لبشر لا أعرفهم.. وأخرى لأبنية محطمة أعرفها وطرق مسدودة وجسور تمددت بعض أجسادها في النهر.. وحرائق وتوابيت وشواهد ومآس.. حقائب من وجوه وأقنعة ومواقف.. وحقائب من أماكن جميلة وأزمنة أجمل.. حقائب من أحلام وأمنيات وطموحات.. وأخرى من ذكريات وتواريخ منسية..

لطفولتي حقائبها مثلما لصباي وعمري الذي يمرّ.. لحكايات جدتي حقيبة ولحكايات الحب في حياتي.. ولقراءاتي ومشاهداتي وحكايات صديقاتي وأصدقائي وعلاقاتي وأسراري.. حقائب أطفالي وأحلامهم وأحلامي بهم وقلقي عليهم ودعواتي التي لا تكف..

يااااه!.. أحس أنني إذا ما ابتدأت لن أصل إلى نهاية وأنا أحاول أن أجمع أو أن استذكر حجم وكمّ ونوع ما حملت من حقائب في رحلة حياتي مهما بدت قصيرة أو طويلة.. وكيف ولماذا وكم طال حملي لها واعتزازي أو عدم اهتمامي بها؟.. وكم كان حرصي عليها أو حجم اكتراثي بالاحتفاظ بها أو الانتهاء منها؟..

وبقدر ما يتطلب مني حمل الحقائب من جهد ووقت وصبر وتركيز وطول أناة.. بيد أنه كان ينتهي غالبا ما أن أضع الحقيبة منهم على الأرض وأبدأ بإفراغها من محتواها.. أو حين أفكر أو أقرر أن أتخلص منها وألا أعود إليها من جديد.. فلا يمكن لأحدنا أن يبقى إنسانا سويا وهو يحمل حقائب كل الأمتعة والأزمنة والأشياء مرة واحدة ويبقى ينوء بحملها إلى ما لا نهاية.. إلا إذا كان مخلوقا متخيّلا أو هرقلا أو إلها..

يأخذنا حديث حمل الحقائب (الفعلية والمعنوية) إلى حكاية ذلك الكاهن البوذي العجوز الذي قام بحمل فتاة على كتفيه لمساعدتها على عبور النهر.. فجاءه كاهن شاب بعدئذ وسأله “يا معلمي.. لماذا حملت هذه الفتاة على ظهرك وعبرت بها النهر؟”.. فأجابه المعلم “لقد حملتها بضعة دقائق وانتهى الأمر ونسيته.. فلماذا ما زلت أنت تحملها منذ تلك الحادثة وحتى الآن؟!.. لا بد أن ثقل جسد الفتاة كان أخف وطأة بكثير على كتفيّ من ثقل حكايتها على قلبك!.. وأتساءل: هل يمكن أن تتخلص منها الآن إذا عرفت السبب؟..

صباحكم حقائب خفيفة وسفر جميل..

21