حقائق تحرسها الأكاذيب

هناك إدارات في أي حكومة تحترم نفسها تكون متخصصة في التضليل أو محاربة التضليل. وعبر العصور تطوّرت الأساليب لتصل اليوم إلى مستوى يمكن من خلاله أن تشن الدول حروبا كبرى وهي مرتاحة الضمير، بأنها صدقت أكاذيبها.
الأربعاء 2018/08/01
التضليل الإعلامي هو جزء أساس من السياسات الحكومية

لا أعرف بالضبط إن كان غضب السياسيين والحكومات من الأخبار الكاذبة أو المفبركة، هو حرص منهم على الحقيقة أم لأنه تم كسر احتكارهم لصناعة الأكاذيب.

الأخبار المفبركة اليوم تبدو قضية الساعة. ثمة اعتقاد أن ما يشهده العالم هو نتيجة لسيل غير منقطع من الأكاذيب تتولى نشرها منصات الشبكات الاجتماعية. وفي هذا الاعتقاد الكثير من الصحة والكثير من التضليل. فالأخبار المفبركة تعيد كتابة أحداث حقيقية في الغالب، لكنها تدرجها لتعبر عن فكرة أو زاوية مختلفة. العالم مليء بالمشاكل والكوارث، لكن إبلاغ الناس عنها كان يتم بتقنين وسيطرة تتشارك فيهما الحكومات ووسائل الإعلام التقليدية. الأزمة الاقتصادية العالمية، على سبيل المثال، لم تبتدعها الشبكات الاجتماعية. هذه الأزمة تكمن في قلب حالة الاضطراب السياسية والاجتماعية التي تسود عالمنا اليوم، من “الربيع العربي” وصولا إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ومن صعود الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إلى عبثية وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى سدة الحكم. الشبكات الاجتماعية ناقل، ربما غير أمين، لواقع الحال.

التضليل، وخصوصا التضليل الإعلامي، هو جزء أساس من السياسات الحكومية في معظم دول العالم. على وسائل الإعلام أن توحي بما هو غير صحيح أو معدل أو مفبرك. هناك إدارات في أي حكومة تحترم نفسها تكون متخصصة في التضليل أو محاربة التضليل. وعبر العصور تطوّرت الأساليب لتصل اليوم إلى مستوى يمكن من خلاله أن تشن الدول حروبا كبرى وهي مرتاحة الضمير، بأنها صدقت أكاذيبها.

ما حدث أن الشبكات الاجتماعية وفرت المنصات البديلة، فانهار النموذج القائم على احتكار بث الخبر/المعلومة من الدولة والإعلام التقليدي. زاد من ذلك هذا الهاتف الذكي الملعون الذي لا يتوقف عن التقاط الصور وتسجيل الفيديوهات، أو عن التغريد والدردشة والتدوين.

تقف الحكومات الآن، ومعها المؤسسات الإعلامية التقليدية، أمام خيارات متعددة. إما الإسهاب في تشويه الإعلام البديل وتصويره بأنه كاذب دائما، وإما القبول بوجوده والعمل على زيادة الوعي، أو أن تركب الحكومات الموجة طالما أنها صارت تبدع بدورها في استغلال المنصات الاجتماعية لتمرير أكاذيبها بشكل أفضل.

الحكومات تحب أن تركب الموجات في العادة. ستجد المبررات لنفسها دوما كما وجدها رئيس الوزراء البريطاني وينستون تشرشل خلال الحرب العالمية الثانية حين قال “في الحرب، الحقيقة نفيسة إلى درجة أننا بحاجة إلى إحاطتها دوما بحرس من الأكاذيب”. وطالما أننا نربط كل شيء في هذه الأيام بالحرب، حرب اقتصادية وحرب سياسية وحرب إعلامية وحرب عسكرية، فإنه بوسعنا أن نشطب “في الحرب” من مقولة تشرشل ونحيط الحقيقة بالأكاذيب عن طيب خاطر. هنا نستطيع استعارة جملة شهيرة كانت تستخدمها صحيفة فضائحية فرنسية في نهاية كل موضوع تنشره “نصف ما ورد في هذا الخبر صحيح”. عليك أن تحزر أي نصف!

24