حقائق ثورة التحرير الجزائرية تضيع في أرشيف الثورة المضادة

قلّلت المعارضة الجزائرية من أهمية إعلان الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة عن إجراء تعديل دستوري، مشيرة إلى أن هذا الإعلان تكرّر في أكثر من مناسبة، لدرجة أن البعض قال إنه تحول مع مرور الوقت إلى مناورة سياسية بحتة تهدف إلى التلهية عن التحديات الحقيقية الحالية، ويتم استحضارها عندما يرى النظام ضرورة لذلك، والإعلان عنها في هذه الأيام مردّه التساؤلات التي تثار كلّ سنة مع حلول ذكرى اندلاع ثورة التحرير الجزائرية.
السبت 2015/11/07
النخبة الفرانكفونية تتغلغل في مؤسسات الدولة الجزائرية المستقلة

الجزائر - يستعد الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة لإجراء التعديل الدستوري، الذي سبق وأعلن عنه في عام 2011، عند اندلاع ما يسمى بـ“ثورات الربيع العربي”؛ لكن المشروع شهد مخاضا عسيرا استمر أكثر من 3 سنوات، تمسّكت خلالها المعارضة بالرفض، معتبرة أن الهدف من هذا التعديل إشغال الجزائريين به وهو عملية تجميل لواجهة النظام، لحين مرور سحب الثورة المضادة التي تخيم على سماء البلاد.

وقال بوتفليقة في رسالة للجزائريين، بمناسبة الذكرى الـ61 لاندلاع ثورة التحرير ضد الاستعمار الفرنسي، في 1 نوفمبر 1954 “سيتم الإعلان قريبا عن مشروع مراجعة الدستور”، مشيرا إلى أن هذا المشروع “يتطلع إلى إرساء دعائم ديمقراطية هادئة”.

ولم يحدد الرئيس الجزائري، تاريخا للكشف عن مضمون مشروع تعديل الدستور، أو موعد عرضه على البرلمان، أو الاستفتاء الشعبي، لكن عمار سعداني، الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني، قال في تصريحات لوسائل إعلام محلية، منذ أيام، إن “الجزائر ستبدأ عام 2016 بدستور جديد”.

وقال مراقبون إن تزامن إعادة طرح فكرة التعديل الدستوري مع إحياء الجزائريين للذكرى 61 لثورة التحرير ضد الاستعمار الفرنسي، لم يكن اعتباطيا، بل الغاية منه حصر الأضواء عن الجهات التي تطرح أسئلة بخصوص أرشيف الثورة وتاريخها، وحاضر البلاد السياسي الذي يستمدّ شرعيته من تلك الثورة.

وأكّد خبراء لـ“العرب” أن ذكرى أكبر ثورة تحريرية في العالم العربي في العصر الحديث، تعيد، ربما لأول مرة، طرح مسألة الثورة المضادة في الجزائر، وأسباب الفشل في تحقيق الاستقلال التام، ومدى عمق الجذور التي غرسها القادة الفرنسيون في جسم جبهة التحرير.

من هؤلاء الخبراء، الكاتب والباحث التاريخي محمد عباس، الذي قال في تصريح لـ“العرب”، إن “ثورة نوفمبر توقفت في العام 1962، والثورة المضادة لم تتوقف”، في إشارة لإنتكاسة ثورة نوفمبر بعد سنوات الاستقلال، وأفول نجمها أمام مد الثورة المضادة، والتقارب بين سلطتي الجزائر وفرنسا على حساب الذاكرة والسيادة وتضحيات الماضي، والتمكين المتسارع لمخططات حقبة الاستعمار بوسائل الاقتصاد والسياسة والثقافة خاصة خلال السنوات الأخيرة.

شارل ديغول: فرنسا ستخرج من الجزائر لكنها تركت فيها من يحب

فرنسا أكثر من الفرنسيين

خلافات الثورة وإشكالات الاستقلال

يرى مراقبون للشأن الجزائري أن مصطلح “الثورات المضادة” الذي طفا على السطح بقوة في عدد من الدول العربية خلال السنوات الأخيرة، بعد انتفاضات الشارع في تونس والقاهرة وصنعاء ودمشق.. وغيرها، يملك جذورا متينة في الجزائر، كونه يعود إلى سنوات الاستقلال الأولى، فأمام انشغال الشعب بفرحة الانتصار والحرية، نشطت لوبيات ودوائر الثورة المضادة.

ويعرف عن القائد الفرنسي شارل دي غول تصريحه الشهير في آخر أيام الاحتلال الفرنسي للجزائر، بعد إذعان باريس لحق تقرير المصير للجزائريين، بأن “فرنسا ستخرج من الجزائر لكنها تركت فيها من يحب فرنسا أكثر من الفرنسيين”، في إشارة إلى ما يعرف بـ “الطابور الخامس”، وهو النخبة الفرانكفونية من الجزائريين الذين كونتهم الإدارة الفرنسية في مختلف الميادين العسكرية والمدنية، من أجل تبوؤ المناصب المتقدمة في الدولة الوليدة، بما أن الأمية كانت تفوق 90 بالمئة في صفوف المجتمع الجزائري.

ولم تعد الرسالة التحررية والمغزى السيادي لثورة نوفمبر، برأي بعض الملاحظين، إلا مجرد ذكرى تاريخية تحيى بممارسات فلكلورية لتنويم الذاكرة الجماعية، لأن الأجيال الصاعدة لم تعرف ولم تقرأ تاريخها بعد، بسبب هيمنة الشرعية الثورية على قيادة البلاد. لكن الباحث محمد عباس، يرى أن “ما يجري من تراشق بين رموز المرحلة الثورية لا يعكس بالضرورة خلافات أو صراعات الماضي، بقدر ما يمثل حساسيات مرحلة ما بعد الاستقلال، وإن كان الأمر ينطوي على إيحاءات تاريخية بين ما يعرف بجيل الثورة والموالين لفرنسا من أقرانهم، فإن ما يطرح حول امتداد لأسئلة الهوية الوطنية غير وارد، فالمسألة محسومة منذ عقود الحركة الوطنية، وما يأخذ الآن في هذا الشأن هو من قبيل البحث عن ذرائع للنيل أو الإساءة لشرف ونبل الثورة التحريرية”.

وأضاف أن “جبهة التحرير التاريخية استطاعت صهر جميع التيارات الفكرية والمرجعيات الأيديولوجية من أجل الأستقلال الوطني. وأجمعت الحركة الوطنية بجميع توجهاتها وأفكارها على القواسم المشتركة للجزائريين. وأنهت حينها مسائل اللغة والدين والانتماء، لكن هذا لا يغفل خلافات آخرى بين قادة الثورة في جوانبها السياسية وخياراتها الاقتصادية وتوجهاتها الديمقراطية”.

محمد عباس: ثورة نوفمبر توقفت في 1962 والثورة المضادة لم تتوقف إلى الآن
وأجمع شهود عيان لـ“العرب” على أن الجزائريين محكوم عليهم بجهل تاريخهم إلى غاية النهاية الافتراضية للجيل الأول ممن يسمون بـ“ضباط فرنسا”، وهم النواة الصلبة لفلول الثورة المضادة، التي تغلغلت إلى عمق مختلف مؤسسات الدولة، بما فيها التعليم والإدراة والثقافة.. وغيرها، ولم تسلم حتى السينما والأعمال الفنية من التعتيم التاريخي، عبر عدد من الأعمال التي تنجز بدعم من موازنات الدولة، يراد لها مسبقا تقديم رؤية معينة ومن زوايا محددة وفي مراحل يفترض عدم تجاوزها.

أرشيف الثورة يخفي أسرار الفلول

اعتبر محمد عباس أن قضايا الاستقلال حول الديمقراطية والتعددية والنظام البرلماني والخيارات الإقتصادية، بين التيارات النافذة داخل النخب الحاكمة بعد الاستقلال، هي التي لازالت تلقي بظلالها على الجدل الحالي، فالكفة التي مالت لصالح جناح الرئيس الأول أحمد بن بلة في بداية الاستقلال والرؤساء الذين أعقبوه، لازالت تحتفظ بثقلها وعلى حساب مطالب مشروعة للآخرين.

ويقول مختصون إن الأرشيف التاريخي لفترة (1830 – 1962) وإلى ما قبل ذلك، يشكّل أحد التحديات التي شلت حركية الثورة النوفمبرية في الجزائر بعد الاستقلال، وسمح لأتباع الثورة المضادة بسد أبرز المنافذ التي يمكن أن تزعزع استقرارها وتواجدها، فهو من جهة يكشف وجه الاستعمار ويضع السلطة الفرنسية أمام مسؤولية أخلاقية ومعنوية أمام الجزائريين والعالم، ومن جهة أخرى يحفظ أسرار عملائها المكلفين بإجهاض ثورة نوفمبر من محتواها ومغزاها، وهو ما جعل فرنسا تتمسك بالاحتفاظ به في متاحفها ومخازنها، رغم محاولات جلبه للجزائر.

وتوجد في فرنسا حوالي 50 مليون وثيقة أرشيفية وغرض تاريخي، منها ما يعود إلى زمن التواجد العثماني في الجزائر. وفيما تسمح السلطات الفرنسية بالاطلاع على جزء محدود جدا من الأرشيف للباحثين والمهتمين بالتاريخ، فإن غالبية الأرشيف المذكور محتجز لديها ويمنع الاطلاع عليه، نظرا لأهمية ما يحمله من معلومات وحقائق حول تواجدها في الجزائر على مدار 132 عاما.

6