حقل ألغام إخباري

الخميس 2014/07/17

يدرك الصحفيون أن صناعة المحتوى المتميز ليست بالاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعي، فتويتر ليس منقذا ولن يعيد القراء إلى الصحف الورقية.

ليس المعنى هنا بمصداقية ما ينشر على المدونة الصغرى من عدمه، وليس بالسرعة التي ينجزها المواطن الصحفي، أو إن كان مجرد عواطف تفتقر إلى الموضوعية ينشرها الجمهور، بل بالطريقة التي يجب أن يحدد فيها الصحفي مكانه الطبيعي بعد أن نافسه عليه المواطن الصحفي وصار مصدرا بدلا من أن يكون الصحفي المصدر الأساسي، إلى أن وصل الأمر بتكاسل الصحفي وبقائه في مساحة ضيقة صار فيها المُستقبل وليس المرسل!

فهل ثمة متسع لأن يعود الصحفي إلى موقعه بعد أن يكتشف الجمهور أن مواقع التواصل الاجتماعي ستبقى تمول سلة الأخبار لكنها ليست المصدر الأساسي، ولا يمكن الاعتماد عليها دائما.

بالأمس وصف إيان بوريل، “تويتر” بحقل ألغام في تقرير له بصحيفة الاندبندنت، بعد أن شخّص عدم ثقة الجمهور بتقارير وكالات الأنباء العالمية ووسائل الإعلام التقليدية في تغطية العنف المتصاعد في غزة.

بنظر الجمهور الإعلام التقليدي لن يغطي المعركة بشكل مقبول وعليهم البحث عن وسائل إعلام بديلة.

تعبير “حقل الألغام” الإخباري ليس فخاً للجمهور وحده، بل للصحفي الباحث عن معلومة تعزز تقاريره عن غزة، لأن ثمة ما يؤكد الفوضى المعلوماتية.

ثمة من نشر صورا لم تكن من غزة أصلا في هاشتاغ متفاعل مع الأحداث المتصاعدة، بينها صورة قديمة من حرب عام 2007، تم تداولها 1800 مرة على أنها من الأحداث الأخيرة!

وبالإمكان الإشارة أيضا إلى فوضى المعلومات في مواقع التواصل الاجتماعي حول الحرب في العراق وسوريا وكم من الصور نشرت عن أحداث الموصل مثلا وهي أصلا من حلب، وهو ما يؤكده كريس هاميلتون محرر التواصل الاجتماعي في هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” بالقول إن وسائل الإعلام أصبحت تحاول التأكد من عدم استخدام نفس الصورة في سنوات سابقة باستخدام محركات البحث.

الأمر الذي يمكن معه القول إن جملة “الإعلام أول من يدخل ميدان المعركة وآخر من يغادره” لم تعد جديرة بالوفاء وتصل متأخرة وقد تحدث ضررا! بعد أن أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي سلاحا حربيا، فالجيش الإسرائيلي مثلا له 286 ألف متابع.

لكن هل يكتفي الصحفي بمهمة تحقيق صحة ما ينشر على تويتر للاستفادة منه، ألا يعني ذلك قبوله بواقع معلوماتي جعله “تابعا” وليس صانعا للرأي؟

لن يستطيع الإعلام التقليدي إيقاف انطلاقة “المواطن الصحفي” بأي حال من الأحوال، ولا يبدو الأمر من مهمته أصلا، لكن القبول بفكرة أنه المصدر الخبري الرئيسي يؤول إلى نهاية مهمة “صانع الرأي”.

إذا كان تويتر قد أضحى وسيلة لرؤساء الحكومات والزعماء والمشاهير لإيصال أفكارهم للجمهور، بل وحتى لإعلان استقالاتهم كما حدث أمس الأول مع وزير الخارجية البريطاني ويليام هيغ، فإن ذلك يدفع بمخططي وسائل الإعلام إلى التوقف عن الانشغال بالبحث عن إجابة على أسئلة ضيقة تؤدي إلى كيفية معرفة تسييل المحتوى الرقمي، وهو جهد ضائع أفقدهم المسار حول تأمين مستقبل مستدام على نطاق واسع، حسب تعبير مايك دارسي الذي ترأس مؤسسات عدة في إمبراطورية روبيرت مردوخ.

لكن الخلاف لايبدو – حسب آلن روسبيردغر رئيس تحرير صحيفة الغارديان – في سطوة الثورة الرقمية على وسائل الإعلام، بل في اختيار المجتمعات لخطابها وتنظيم أنفسها في ديمقراطية جديدة من الأفكار والمعلومات، وتغيير مفاهيم السلطة، وإطلاق الإبداع الفردي، ومقاومة خنق حرية التعبير.

فإذا أدارت وسائل الإعلام ظهرها للمجتمع من أجل أنانية تجارية، والاكتفاء بفكرة ليس ثمة ما يمكن أن نتعلمه، فإنها فقط ستدخل في غياهب النسيان.

18