حقوقيون يدقون جرس الإنذار من تنامي الزواج العرفي في الجزائر

دقت منظمة حقوقية جزائرية جرس الإنذار للتنبيه من مخاطر تنامي الزواج السري. وعلى قدم الظاهرة في المجتمع الجزائري، فإن ظروف الأزمة التي مرت بها الجزائر في تسعينات القرن الماضي والتعديلات التي أدرجتها الحكومة على قانون الأسرة، ساهما بشكل كبير في تغذية اللجوء إلى الأساليب السرية لعقد قران لا يتم إلا بتلاوة سورة “الفاتحة” من القرآن الكريم، والتزام السر إلى حين.
الخميس 2015/06/25
الزواج العرفي وسيلة إغراء لاستقطاب الشباب دون النظر إلى آثاره

كشف فرع للرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان، عن إحصائه لحوالي 50 ألف حالة زواج سري، منها 36 ألف حالة سجلت خلال فترة تسعينات القرن الماضي، حين كانت الجزائر تئن تحت رحمة أزمة سياسية وأمنية دامية، وأشار إلى أن الظاهرة لم تعد معزولة في أشخاص يضطرون لعقد قرانهم في السر، للإفلات من حرج المجتمع والزوجات الأخريات، ومن تبعات القانون الذي يحد من رغباتهم ونزواتهم.

وإذ تعلق الأمر في السابق برجال يحوزون ناصية المال والنفوذ، ومستعدبن لبذل أي شيء من أجل تحقيق نزواتهم ورغباتهم، فإن انكشاف حقيقتهم بمرور الزمن للمجتمع ولأسرهم، وضع السلط المختصة أمام تسوية أمر واقع، لأن ميلاد الأبناء والإرث، يرغمها على تدوين تلك الحالات في سجلاتها الإدارية، دون العودة للتدابير المعمول بها في تنظيم العلاقات الأسرية.

وأكد فرع الرابطة من خلال تقرير أصدره مؤخرا، بأن الزواج السري، “صار رائجا بصورة لافتة، حيث أضحى العديد من الجزائريين يكتفون بعقد قرانهم بقراءة ‘الفاتحة’ برعاية إمام دون تكليف أنفسهم عناء اللجوء إلى المصالح الإدارية لتوثيقها”.

وأعابت الرابطة على السلطات الجزائرية عدم الكشف عن معطيات محددة حول عدد هؤلاء، خاصة وأن هناك جدلا كبيرا حول هذا الموضوع بين أهل العلم في العالم الإسلامي، فمنهم من يرى أنه غير جائز ومنهم من يرى عكس ذلك، وأشارت إلى أن “الزواج العرفي يعد قنبلة موقوتة تهدد المجتمع، بالنظر إلى تورط عدة وزراء وإطارات سامية وبرلمانيين ووجوه فنية وأخرى إعلامية بارزة، في الحياة السياسية، والثقافية، والإجتماعية وحتى رجال أعمال يعيشون في وضعية زواج عُرفي”.

50 ألف حالة زواج سري، منها 36 ألف حالة سجلت خلال فترة تسعينات القرن الماضي

وأثبت تقرير الرابطة ضلوع فئة راقية من المجتمع الجزائري، في تشجيع الزواج السري، ويتعلق الأمر بإطارات وكوادر مهمة في مؤسسات الدولة، خاصة بالنسبة لفئة ترى في أن تحسن أوضاعها الإجتماعية والمادية لابد أن يترافق مع زوجة جديدة تتوافق مع شروط حياتهم الجديدة، ولم يحدث أن تم تسجيل حالات ولو معزولة تتعلق بفقراء أو معوزين، لأنهم على قلة حيلتهم أول من يخشى إكراهات القانون وهول انكشاف الحقيقة.

وتذكر عدة شهادات أن الظاهرة تنتشر بكثرة في وسط رجال المال والوزراء والبرلمانيين والفنانين والكوادر الرسمية، خاصة القادمين من وضعيات اجتماعية محافظة، حيث يقدم الكثير منهم على الزواج العرفي بدعوى أن الزوجة الجديدة تساعدهم على الاندماج في وسطهم الجديد، وتتوافق مع متطلبات “الإيتكيت” و”البروتوكول”.

وصرحت في هذا الشأن الناشطة والمحامية فاطمة الزهراء بن إبراهم لـ”العرب”، أن المشرع الجزائري الذي حاول معالجة هذه الظاهرة، عبر نصوص جديدة تلزم الأئمة بعدم قراءة الفاتحة على الزواج إلا بوجود العقد الإداري، وتشدد على مسألة تعدد الزوجات إلا بتقدير من القاضي، إلا أنه ترك فراغات تستغل الآن في اللجوء للزواج السري، لتلافي الوقوع تحت طائلة القانون.

وأضافت “الظاهرة أخذت أبعادا خطيرة بسبب اختلالات القانون، وتشدده حيثما لا يلزم التشدد، لأنه كان الأجدر قبل إعادة النظر في قانون الأسرة منذ العام 2005 بدعوى حماية حقوق المرأة، النظر بجدية إلى التراكمات الاجتماعية والروحية والعادات والتقاليد، وكل محظور يصبح مطلوبا، خاصة وأن الدولة لم تعالج لحد الآن مسألة فوضى الزواج التي نشرتها تيارات دينية متشددة في فترة التسعينات، وهناك العديد من الأسر بنيت في الجبل بعيدا عن سلطة الدولة”.

وأكد تقرير الرابطة “إن تعليمة إصدار عقد الزواج قبل تلاوة الفاتحة التي صدرت في 2005، لا تطبق في ظل غياب صرامة قانونية تُلزم كل الأئمة بالعمل بها، وبالتالي يتم تجاهلها بالرغم من كونها تساعد على تجنب الوقوع في العديد من المشاكل، كأن يتم التلاعب بالمرأة بإسم أقدس رابطة ثم يتم تركها، لأنه لا يوجد أي التزام يجبر المعني على التقيد بهذه الفاتحة”.

العديد من الجزائريين يكتفون بعقد قرانهم بقراءة "الفاتحة" برعاية إمام دون اللجوء إلى المصالح الإدارية لتوثيقها

وأضاف “أن الضحية الأولى والأخيرة هي المرأة، لكن مع وجود هذه التعليمة الداعية إلى وجوب إبرام العقد الإداري أولا، فإن الرجل لا يمكنه التلاعب بالمرأة، حتى إن طلقها قبل البناء فينبغي للمجتمع ألا يقف وراء هذه الذهنيات المتخلفة والمتعلقة بكون المرأة أضحت مطلقة، لأن المهم في كل هذا أن حق هذه المرأة محفوظ، وبالتالي فإن الغرض من وجود هذه التعليمة، هو دفع الرجل إلى التفكير جيدا قبل الإقدام على الارتباط انطلاقا من أن هنالك قيدا يخضع له وهو العقد”.

ويذكر تقرير الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، أن فرعه بمحافظة الشلف (300 كلم غربي العاصمة) استلم ملفا لعائلة متكونة من خمسة أفراد تعيش منذ 34 سنة دون هوية ولا تملك أي وثيقة تثبت هويتها، حيث يحرم أبناؤها لحد الآن من فرص التعليم والتصويت في المواعيد الانتخابية، وحتى التجول في المدن الكبرى أو قضاء ليلة في فندق”.

وسبق للمستشار الإعلامي السابق لوزارة الشؤون الدينية والأوقاف عدة فلاحي أن صرح في هذا الشأن، أن ” لجنة الإفتاء التابعة لوزارة الشؤون الدينية والأوقاف، أصدرت فتوى تبيح الزواج المسيار في الجزائر، رغم أن هذا الزواج شكل من أشكال هضم حقوق الزوجة، منها التنازل عن حقها في النفقة والمسكن، الأمر الذي يجعله فرصة لأصحاب النفوس الضعيفة لإهانة المرأة والتخلي عنها في أي وقت. ولم يشر المتحدث لدور الزواج العرفي الذي بات المذهب الشيعي يوفره لأتباعه في بعض المدن والأحياء في تنامي الظاهرة، لاسيما مع تحويله إلى وسيلة إغراء لاستقطاب الشباب دون النظر إلى الآثار والتبعات التي يخلفها في المجتمع.

21