حقوق الإنسان تختفي في حضرة حقوق الأميركان

قبل ساعات من هجوم باريس، قال الرئيس الأميركي باراك أوباما إن تنظيم الدولة الإسلامية لا يزداد قوة وسوف يتم احتواؤه. لكن هجمات باريس أثبتت عدم صدق ذلك، الأمر الذي ألّب ضدّه أنصاره الديمقراطيين وخصومه الجمهوريين ونسبة كبيرة من المواطنين الأميركيين الذين اعتبروا أن خطته لاستقبال اللاجئين السوريين وتوطينهم ستعرّضهم أكثر لخطر الإرهاب وسيجعل واشنطن الهدف القادم بعد باريس.
السبت 2015/12/05
تعاطف من بعيد

واشنطن- وجد الأميركيون المعارضون لاستقبال الولايات المتحدة للاجئين السوريين في الحادث الذي استجدّ، خلال اليومين الماضيين في كاليفورنيا، وتبيّن أن المتورّط فيه متشدّد باكستاني له علاقات بإرهابيين، دليلا جديدا لتقوية موقفهم.

وأشارت معلومات نشرتها وسائل إعلام أميركية إلى أن سيد فاروق (28 عاما) المسلم المولود في الولايات المتحدة الذي أقدم برفقة زوجته الباكستانية التي تبلغ 27 عاما تاشفين مالك على قتل 14 شخصا في مدينة سان برناردينو بكاليفورنيا، يشتبه بعلاقتهم بالإرهاب في الخارج.

يأتي هذا الحادث، في خضم الجدل المثار حول مسألة استقبال اللاجئين السوريين وتغيير المواقف الأميركية، إثر اعتادءات باريس، في 13 نوفمبر الماضي، حيث بدا واضحا الانقسام والتوتّر في صفوف الأميركيين، مسؤولين وعامة، بخصوص هذا الملف؛ خاصة بعد تصريحات المسوؤلين الأوروبيين التي تتحدّث عن تسلل الإرهابيين إلى عواصم بلدانهم مستغلين مأساة اللاجئين الإنسانية وتعاطف العالم مهم.

هل ستكون الولايات المتحدة التالية بعد فرنسا؟ هو السؤال الذي دار بخلد عموم الأميركيين، منذ أن استفاقوا على أخبار اعتدءات باريس الدامية، ووصل صداه إلى داخل المراكز التي تساهم في صنع القرار الأميركي؛ حيث رفض غالبية الأعضاء الجمهوريين وعدد من الديمقراطيين دخول اللاجئين السوريين إلى الولايات المتحدة، مبررين ذلك بمخاوفهم الأمنية في الوقت الذي دعاهم فيه أوباما بعدم الخلط بين اللاجئين والإرهاب.

ورفع أعضاء الكونغرس الورقة الحمراء في وجه مشروع الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي يطرح فكرة توطين اللاجئين السوريين، بل وردّ الرافضون، من الجهموريين والديمقراطيين، على هذا المشروع بالموافقة، بأغلبية ساحقة، على مشروع يمنع دخول لاجئين سوريين وعراقيين إلى الولايات المتحدة ما لم يخضعوا لفحص صارم لخلفيتهم.

الولايات المتحدة تستقبل نحو 70 ألف لاجئ كل عام من مناطق النزاع والاضطهاد، إلا أنها تتباطأ في قبول اللاجئين السوريين

وقد حصل التشريع المقدم على موافقة 289 صوتا مقابل 137، من بينهم 47 نائبا من الديمقراطيين. وبهذا التصويت، يعطى المجلس الحق للتغلب على حق النقض الذي يملكه البيت الأبيض، إلا أن التشريع سوف يحال إلى مجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الجمهوريون، ولكن بأغلبية أقل ويتعين حصول المجلسين على أغلبية الثلثين لتجاوز حق النقض.

وأيد القانون أكثر من 20 حاكما من بين حكام الولايات الأميركية الـ50. وقد دفع هذا الرفض بالرئيس الأميركي إلى التهديد باستخدام حق النقض (الفيتو) في حال تم رفض مشروعه.

وتقبل الولايات المتحدة نحو 70 ألف لاجئ كل عام من مناطق النزاع والاضطهاد، إلا أنها تتباطأ في قبول اللاجئين السوريين. وكان باراك أوباما وعد قبل أشهر بتقديم برنامج من شأنه أن يسمح باستقبال نحو عشرة آلاف لاجئ سوري وتوطينهم، لكن رفض الكونغرس والمظاهرات الشعبية أعاقا تنفيذ هذا الوعد، الذي أطلقه أوباما ردّا على الانتقادات الخارجية الموجّهة لإدارته بأنها لا تبذل جهدا كافيا لمساعدة السوريين في الحرب الطاحنة ببلادهم.

أوباما وداعش

حاول بان رودس، وهو نائب مستشار الأمن القومي طمأنة الأميركيين بأن اللاجئين السوريين الذين سوف تستقبلهم الولايات المتحدة لن يشكلوا تهديدا للأمن القومي. وقال “لدينا إجراءات تدقيق قوية جدا لهؤلاء اللاجئين”. لكن أقوال رودس تتناقض بشكل مباشر مع تصريحات مدير مكتب التحقيقات الفدرالي جيمس كومي، الذي قال الشهر الماضي في مجلس النواب في جلسة حول الأمن الداخلي، إن “الحكومة الاتحادية ليس لها القدرة على إجراء فحص شاف عن خلفية جميع اللاجئين الذين يبلغ عددهم 10 آلاف”.

وفي كلمة ألقاها في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، اعترف مدير وكالة الاستخبارات الأميركية جون برينان، ضمنيا أن إدارة أوباما استخفت بتهديدات تنظيم الدولة الإسلامية. وأعلن أنه لم يكن هناك برنامج للحد من القتل في الأراضي العراقية والسورية، أو إحداث امتيازات محلية في بلدان أخرى في الشرق الأوسط وجنوب آسيا وأفريقيا، وقد طورت الدولة الإسلامية أجندة العمليات الخارجية التي تنفذها الآن، ليصبح تأثيرها فتاكا.

غريغ آبوت: التعاطف الإنساني الأميركي قد يستغل لتعريض

الأميركيين لخطر قاتل

ويرى المحافظون الذين ينتقدون سياسة أوباما الخارجية في جميع الملفات من روسيا إلى إيران والشرق الأوسط، أن الهجمات تؤكد صحة انتقاداتهم لغياب الاستراتيجية ضد ما يعتبرونه التهديد الرئيسي للأمن القومي، أي الإسلام المتشدد. وعززت تصريحات أدلى بها أوباما في مقابلة تلفزيونية، اعتقادهم بأنه لا يملك استراتيجية واضحة للتعامل مع التنظيم المتطرف في سوريا والعراق، حيث قال قبل يوم واحد من اعتداءات باريس الدموية “تنظيم الدولية الإسلامية لا يزداد قوة”.

وقال خبراء إن توقيت تفجيرات باريس وحادثة كاليفورنيا لم يخدما الرئيس أوباما، خاصة وأن تقارير تحدّثت عن عزمه إغلاق معتقل غوانتانامو، الذي يحوي عددا من المتشدّدين، والذي خرج منه نسبة كبيرة من أنصار تظيم الدولة الإسلامية، وتسليم معظم المعتقلين فيه إلى دول إقليمية، بما قد يفاقم من الخطر.

وكان مايك ماكدول، رئيس لجنة الأمن الداخلي في الكونغرس، قد أرسل خطابا يوم 16 نوفمبر 2015، إلى أوباما أشار فيه إلى وجود تقارير تفيد بأن واحدا على الأقل من مهاجمي باريس قد تسلل إلى فرنسا باستخدام غطاء اللاجئين السوريين. وكتب ماكدول في رسالته “لا تزال تنتابنا مخاوف بأن عمليات التوطين هذه ستتم دون اعتبار مناسب لسلامة الشعب الأميركي”.

وتكرّر موقف مشابه، مع غريغ آبوت، حاكم ولاية تكساس، الذي أعلن عن رفضه استقبال أي لاجئ سوري، وقال في خطاب أرسله لأوباما “لن نقبل لاجئين من سوريا. والتعاطف الإنساني الأميركي قد يستغل لتعريض الأميركيين لخطر قاتل”.

النظرة للتوطين أخلاقية

يرى خليل جهش، المدير التنفيذي للمركز العربي للبحوث والدراسات السياسية، أن الحوادث الإرهابية الأخيرة خلّفت هيستريا كبيرة في الولايات المتحدة، لكن النظرة السلبية بدأت منذ أن أعلن الرئيس باراك أوباما نية الولايات المتحدة استيعاب 10 آلاف لاجئ سوري ومن ثم تم استغلال هذا الأمر من قبل المعارضة الجمهورية وخصومه المرشحين للرئاسة.

واعتبر أن الموضوع في الأساس هو سياسي انتخابي، منتقدا ردّة فعل أوباما التي يرى أنها لم تكن بالقوة المطلوبة، بل كانت سلبية ما ساهم في التأثير علي الرأي العام الأميركي، وأدى إلى ازدياد نسبة المعارضين لهذا المشروع.

خبراء يقولون إن توقيت تفجيرات باريس وحادثة كاليفورنيا لم يخدما الرئيس أوباما، خاصة وأن تقارير تحدّثت عن عزمه إغلاق معتقل غوانتانامو

وكان استطلاع للرأي أجرته قناة “ا بي سي نيوز” بالاشتراك مع صحيفة “واشنطن بوست” كشف أن 55 بالمئة من نصف الأميركيين يعارضون قبول بلادهم للاجئين من منطقة الشرق الأوسط، في الوقت الذي قالت فيه نسبة 52 بالمئة من الأميركيين إنهم غير واثقين في عمليات الفحص التي تجريها الحكومة للتخلص من الإرهابيين المحتملين، بينما قالت نسبة 18 بالمئة إنه يجب تفضيل اللاجئين المسيحيين على هؤلاء المسلمين، وهو ما كان أيده المرشحان الرئاسيان جيب بوش وتيد كروز.

ويؤكد خليل جهشان لـ”العرب” أن إصرار أوباما على تمرير مشروع قبول اللاجئين السوريين وتوطينهم نابع من وجهة نظر أخلاقية وديمقراطية، كون تاريخ الحزب الديمقراطي معروفا بترحبيه باللاجئين على مر الأزمان.

كما أن ضغوطا من الخارج مورست على الرئيس أوباما من قبل حلفاء الولايات المتحدة الذين يرون بأنه لا يجوز لأكبر دولة في العالم تدعي أنها حامية الديمقراطية وحقوق الإنسان ولها القيادة ألا تتحمل جزءا من المسؤولية في تلك الأزمة، مقابل حثّ دول أوروبا على استقبال السوريين بل وإغرائها بالدعم المالي لتفتح أبوابها لهم.
ويقول إنه من المؤسف الحكم على اللاجئين السوريين بالإرهاب واستغلال قضيتهم بين المرشحين، رغم أنه لم يتم توجيه أي تهمة رسمية لأي سوري من الفارين من الحرب، وكل من تورط حتى الآن في عمليات إرهابية هم من الأوروبيين الذين كانوا قد انتموا لداعش وتدرّبوا في سوريا وليسوا من اللاجئين. في الوقت الذي لا ينفي فيه قدرة بعض الإرهابين على التسلل والدخول للقيام بأي عمل إرهابي.

ويؤكّد هذا الموقف عدد من مراكز الأبحاث والدراسات الأمنية والاستراتيجية الأميركية، على غرار معهد كاتو وهو معهد أبحاث سياسيات ليبرالي أميركي مقره الرئيسي في واشنطن، الذي حذّر المتشائمين من المغالاة في التطرف ضد إيواء اللاجئين السوريين الذين “لا يشكلون تهديدا إرهابيا جديا”. بدروه، نبّه معهد الشرق الأوسط لدراسات الشرق الأدنى من تداعيات ردود الفعل المعادية للاجئين، والتي لا تسهم إلا في تعزيز مزاعم داعش وتنذر بتأجيج التوترات.

6