حقوق الصحافيين كبش الفداء الأقل كلفة للبيت الأبيض

وجدت الحكومة الأميركية أن أفضل رد على التسريبات الصحافية من البيت الأبيض هي استدعاء الصحافيين وإجبارهم على الشهادة والكشف عن مصادرهم، ضاربة عرض الحائط بأهم ما يميز عمل الصحافي وهو رابط الثقة بين الصحافي ومصدره والذي يشكل جوهر المهنة.
الثلاثاء 2017/08/08
بعيدا عن البيت الأبيض... هذا ما يحبه ترامب

واشنطن – لم تعد العلاقة الشائكة بين البيت الأبيض ووسائل الإعلام والصحافيين مجرد سيل من التغريدات الهجومية والمتهكمة يكيلها الرئيس دونالد ترامب عند كل نقد يوجه إليه من الإعلام، بل دخلت منعطفا خطيرا مع تصريحات وزير العدل، وذلك بالإطاحة بأهم حقوق الصحافيين في حماية مصادرهم.

وأدان جيف سيشنز وزير العدل، التسريبات الإعلامية التي تتعلق بالإدارة الأميركية، مؤكدا أن وزارته لن تتردد في توجيه اتهامات لمن يقومون بالتسريبات، وأشار إلى أن وزارته تعيد مراجعة السياسات المتعلقة بمذكرات استدعاء الصحافيين بشأن تسريبات المخابرات.

وقال سيشنز في مؤتمر صحافي نهاية الأسبوع الماضي، إن الحكومة تراجع سياساتها بشأن إرغام الصحافيين على كشف مصادر معلوماتهم، وأضاف “إننا نحترم الدور الهام الذي تلعبه الصحافة، وسنعطيهم كل الاحترام، لكن هذا الأمر ليس مفتوحاً بلا حدود، فمن غير المقبول أن يعرضوا حياة الآخرين للخطر دون عقاب”.

وجاء ذلك بعد إعلان وزارة العدل، عن أنها تقوم بمساعٍ واتخذت إجراءات عديدة لوقف عمليات تسريب المعلومات السرية من مؤسسات الولايات المتحدة الأميركية، خصوصاً البيت الأبيض.

وأضاف سيشنز في مؤتمره الصحافي في واشنطن إن “عدد التحقيقات التي تجريها وزارة العدل حول التسريبات تضاعف ثلاث مرات منذ تولي الرئيس دونالد ترامب، في يناير الماضي، مقارنة بالأشهر الأخيرة من عهد سلفه، باراك أوباما”.

وتجبر أوامر الاستدعاء، الصحافي على الشهادة وتقديم الأدلة، وفي حال رفض الانصياع سيواجه العقوبة. كما تفتح مراجعة الإدارة الأميركية لسياساتها في هذا الشأن المجال لإمكانية إصدار أحكام على صحافيين يرفضون الكشف عن مصادرهم.

ويدرك الصحافيون جيدا أن هذه الإجراءات تنعكس سلبا على رابط الثقة بين الصحافي ومصدره غير الراغب في الإفصاح عن هويته. فإذا ما استخدمت الشرطة الصحافيين في إطار تحقيقاتها فسيؤدي ذلك إلى تردد المصادر بالبوح لهم عن معلوماتها بشكل سري مخافة أن تُكشف هوياتها.

ويبدو أن الصحافيين بمثابة كبش الفداء الذي أعاد ثقة ترامب بوزيره “الضعيف” على حد وصفه، حيث كان الرئيس الأميركي قد طالب أن تتصرف وزارة العدل “بصورة أقوى” مع مسرّبي وناشري المعلومات من داخل إدارته.

كريستيان أمانبور: إننا معشر الصحافيين نواجه أزمة وجودية، وتهديدا لجوهر مهنتنا وفائدتها

فجاءت خطوة سيشنز لتثلج قلب ترامب الذي ناصب العداء لوسائل الإعلام منذ حملته الانتخابية، ولطالما اتهمها بالكذب والدعاية المضادة له.

وأشاد ترامب، بإجراءات سينشز لمكافحة تسريب المعلومات السرية من البيت الأبيض، وغرد على منصته المفضلة، قائلا “بعد سنوات من التسريبات في واشنطن، إنه لأمر جيد جدا أن نرى وزير العدل يتخذ إجراءات!”، مضيفا “بالنسبة إلى الأمن القومي، كلما كنا أكثر صرامة كان ذلك أفضل”.

ولا تعتبر تصريحات ترامب أمرا مفاجئا للصحافيين الذين دقوا جرس الإنذار مبكرا، وحتى قبل وصول ترامب للبيت الأبيض، حيث تحدثت الصحافية كريستيان أمانبور عن حوار أجرته مع المؤرخ سايمون شاما العام الماضي، وذكر فيه أن حملة الانتخابات الرئاسية عام 2016 ليست مجرد عملية انتخابات عادية، ولا يجب علينا أن نتعامل معها وكأنها انتخابات عادية. وأضافت أمانبور رئيسة المراسلين الصحافيين الدوليين في محطة سي أن أن، “بعد الانتخابات قال لي شاما إنه إذا كان هناك وقت يجب فيه الاحتفاء بحرية الصحافة وتكريمها وحمايتها وتعبئة الجهود للدفاع عنها وعن العمل الصحافي الأساسي الجيد، فإن ذاك الوقت هو الوقت الحالي”.

وأوضحت أمانبور، نظراً للتحديات العديدة التي تواجه الصحافة الحرة في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك في معقلها التاريخي في الولايات المتحدة، فإننا معشر الصحافيين نواجه أزمة وجودية، وتهديداً لجوهر مهنتنا وفائدتها. وعلينا اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، أن نلتزم بتغطية صحافية حقيقية ضمن عالم حقيقي تواجه فيه الصحافة والديمقراطية مخاطر فتاكة.

وبدأت الضجة الكبيرة على التسريبات الصحافية، التي تسببت بحرج بالغ للبيت الأبيض إثر حصول صحيفة واشنطن بوست الخميس الماضي، على وثيقة مسربة لنص محادثة هاتفية جمعت بين ترامب ونظيره المكسيكي إنريكه بينيا نييتو، إضافة إلى رئيس الوزراء الأسترالي مالكولم تورنبول.

وأظهرت التسريبات حجم التناقض الصارخ لتصريحات الرئيس التي يدلي بها في العلن، وتصريحاته داخل هذه المكالمات، إلى جانب التناقض الشديد بين تغريدات الرئيس وتصريحاته العلنية.

وتشكل فحوى التسريبات صفعة لترامب الذي يتهم وسائل الإعلام دائما بالكذب والتضليل، إلى درجة أنه كان قد شبه عملية إعادة الهيكلة في سياسة الولايات المتحدة والتي يجب أن تبدأ بوسائل الإعلام، بعملية تنظيف شبكة المجاري الصحية.

وكتب ترامب: شعار “تجفيف المستنقع” يجب أن يحل مكانه “تنظيف المجاري”، في واقع الحال، فإن الأمور أسوأ مما يتوقعه أحد، ويجب البدء بالأخبار الكاذبة.

18