حقوق القتل محفوظة

الاثنين 2014/09/08

لم يتوقف التاريخ البشري يوما عن نقل أخبار القتل والإبادة من كل أنحاء العالم القديم والحديث الذي ثبت تطوره بحربين عالميتين، وتأكد من إنجازاته بتدمير مدينتين بثوان، ومازال يقود عجلة الحروب والقتل بأسبابها المتنوعة والمتجددة.

كانت الحروب المقدسة عبر التاريخ أشد الحروب عنفا، لأنها ترتبط بموجة التعصب الديني الذي يستوجب تكفير الآخر وإباحة دمه، وقد تمكنت الحضارة الغربية أن تستلهم من صراعاتها الدامية دروسا قيمة، فنجحت في الانتقال من الاقتتال الديني الذي أفرز مقولات الحروب المقدسة، إلى التعايش المشترك بين الأوروبيين، ومن الكنيسة التي تدير الأنظمة، إلى الدولة السيادية المدنية، ومن الدين الذي باسمه يتم التفتيش والرعب، إلى العلم والفلسفة، لكن هذا الإنجاز لم يتم تصديره إلى معظم دول العالم الأخرى التي بقيت تعيش قرونها الوسطى.

أعداد مرعبة من الشهداء والأرامل والأيتام والمشردين الهائمين على وجوههم يبحثون عن ملجأ آمن، هذا هو المشهد بعد أن دقت الحرب المذهبية والطائفية ناقوسها في مناطق واسعة من العالم العربي، وحطت رحالها كخطوة أولى في سوريا والعراق ولبنان، فخطاب التعبئة المذهبية، بما يرافقه من انعزال وهلع والنظر إلى الآخر المختلف وكأنه آلة قتل متنقلة وما رافقه من بناء تحالفات مذهبية، لن يساهم إلا بازدياد رقعة المناطق المشتعلة، أو استجداء الدول الكبرى التي لن تسعى إلا إلى دحرجة كرة الإرهاب حتى تصل مآربها في المنطقة.

إنه عنف من طبيعة جديدة يجتاح هذه البلدان، يؤسس لعملية تفكك مستمرة لمكوناتها الأساسية لا خطوط حمر توقفه في ظل انعدام الأنماط الحضارية للتعايش بين الطوائف، ولم يعد ممكنا إيقافه بالوسائل القديمة “السلطوية ونظريات الانصهار القسري”، بعد أن أنتج التخصيب لخطاب التحريض الطائفي قنابل بشرية تتناثر في كل الاتجاهات لتزيد الرفض للآخر.

هذه الحالة لم تعد حصرا على المتشددين، وليست سياسة للأنظمة المهترئة التي لا تطمح لبناء أوطان الشراكة، فقد باتت فخا ينجذب له الجميع وكأنه نتاج طبيعي وقدر ستعيشه شعوب هذه المناطق التي تمتزج فيها الديانات والتقاليد الثقافية المختلفة، وتتشابك على نحو لا ينفصم، ما أدى لطرح فرضية “الحل على الشاكلة اللبنانية” الذي جاء فيه بناء الدولة منسجما-نسبيا- مع طبيعة المجتمع اللبناني، فصنع تجربته في “الديمقراطية التوافقية” وبنى دولة تناسب التعقيد الداخلي في التركيبة المجتمعية، لكن هذا الخيار قام بتعزيز العصبيات التي تعتبر تربة ملائمة لإنتاج الحروب الدورية وتدحض أي فكرة لتأسيس مجتمع مدني حديث يتجاوز المجتمع الطائفي والعشائري.

كما طرحت فرضية “التقسيم” التي بدأ الترويج لها كحل وحيد للعراق وسوريا ولبنان، ولن يكون حلا سريعا أو قليل الخسائر، فتشعب مناطق التوزيع الطائفي بشكل كبير والقبول الشعبي لإدراج مثل هذا الحل، لن يكون يسيرا رغم بداية تفريغ المناطق في سوريا مثلا للتحول إلى مناطق فرز يناسب الهيكلية الجديدة القادمة والمناسبة لتقاسم حصص نفوذ الدول الكبرى، بالإضافة إلى مرور فترة طويلة لن ترى فيها شعوب هذه البلدان الاستقرار، إذ ستعتلي الفوضى عروش الدول وتصمت الشرائع الإنسانية أمام الأعمال المنافية لحقوق الإنسان. ما تعيشه هذه الدول ليس طارئا في تاريخ الحروب الذي يكمل مسيرته، حتى لو أصبح القتلى يعادلون الأحياء عددا، فللإنسان حق الموت قتلا حتى بيد شريكه في وطنه، بعد أن صار الاقتتال المذهبي والطائفي أسلوب حياة. أزمة أزلية تقتضي حلولا جذرية وبحثا عن قوانين جديدة تحفظ حق الحياة، بدل “حقوق القتل المحفوظة.”


كاتبة ورسامة سورية

9