حقوق المرأة العمانية دعمها المشرع وأضعفتها البيئة الاقتصادية

آمنت السلطات العمانية بأن المرأة عنصر أساسي في طريق التنمية فأحاطتها بعناية خاصة ووضعت تشريعات وقوانين تضمن حقها في التعليم وفي العمل وفي المساواة في الحقوق والواجبات مع بقية المواطنين الذكور. وفي المقابل ترجمت المرأة العمانية هذه العناية بالإقبال على التعليم والعمل والمشاركة الفاعلة في الحياة الاقتصادية والسياسية وأتاحت لها البيئة الاجتماعية مواصلة مسيرتها نحو النجاح.
الأحد 2015/06/14
مسيرة المرأة العمانية مختلفة عن بقية النساء في عديد الدول الخليجية والعربية التي ما زال بعضها يناقش حق المرأة في السفر وفي السياقة وفي العمل

استطاعت المرأة العمانية أن تتميز عن النساء في بعض دول الخليج من خلال التعليم الذي بدوره فتح أمامها أبواب العمل والمشاركة في مشاريع التنمية للسلطنة. وتفخر العمانيات بتمتعهن بجانب هام من الحقوق والحريات وبدخولهن أغلب مجالات العمل رغم تصاعد نسب البطالة في السلطنة بسبب الظروف الاقتصادية.

المرأة العمانية لا تعاني المضايقات الاجتماعية والأسرية كنظيراتها في بعض الدول العربية المسلمة سواء فيما يتعلق بحقها في التعليم أو في خياراتها في الدراسة أو في العمل أو في السفر أو في قيادة السيارة.. هذه الحرية النسبية جعلتها تظهر كفرد فاعل في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية ويرجع ذلك إلى إيمان الدولة بأنها نصف المجتمع ليس فقط من الجانب الأسري وتربية الأجيال بل إنها نصف المجتمع من جانب القوى العاملة التي يبنى الاقتصاد على يديها هذا ما كرس مبدأ ضرورة تشريكها في مسيرة التنمية والنهوض بالبلاد.

وتأتي سلطنة عمان في مقدمة دول منطقة الخليج والدول العربية التي استعانت بالعنصر النسائي في مسيرتها نحو التنمية الشاملة والمستدامة ودعمتها وفتحت أمامها المؤسسات الحكومية والأهلية ومؤسسات القطاع الخاص لتكوّنها وتعلمها وتستعين بها في مجال القوى العاملة. وفي عمان يعد جهاز الشرطة أول المؤسسات الرسمية التي دخلت إليها المرأة للعمل وذلك في بداية السبعينات وتحديدا عام 1972. هذا التاريخ مثل نقطة بداية دخول المرأة مجال العمل في مؤسسات القطاع العام مثل الإعلام والثقافة والتعليم والصحة وغيرها.

البيئة الاجتماعية والسياسية والتعليمية وتقبل المجتمع لوجود المرأة في مختلف المجالات الاقتصادية إلى جانب قوانين الشغل وفرت مناخا ملائما لتقدم العمانية العاملة

لكن العمانية لم تتوقف عند هذه النقطة بل واصلت الولوج إلى مختلف المجالات الاقتصادية لنجدها اليوم تقاسم الرجل الوظائف والأعمال في المؤسسات العامة والخاصة وتبرز أيضا في مجال المبادرة الفردية وممارسة الأعمال الحرة في قطاعات اقتصادية مختلفة تتسم بالحركة اليومية كالتجارة والخدمات والصناعة وإدارة الأعمال والمشاريع وذلك بالتوازي مع دورها الثابت في المجتمع المتمثل في رعاية الأبناء والأسرة والقيام بواجباتها كفرد من العائلة وكأم وكزوجة.

فضلا عن تزايد حضورها في المجال السياسي ذلك أن حصتها من المناصب الحكومية والمؤسسات التشريعية، ما فتئت ترتفع منذ تأسيس السلطنة حيث بلغت هذا العام 16 بالمئة من مقاعد مجلس الدولة، ومقعدين في الشورى كما نجدها تتولى حقائب وزارية كالتعليم والسياحة.. ولا تقف أهداف المرأة العمانية عند حد “الكوتا” النسائية في الإدارة والتشريع، بل تتجاوزها بطموحها نحو الظفر بأدوار أكثر عددا وتأثيرا في قيادة السلطنة.

ولأن قضايا تفعيل مشاركة المرأة في التنمية المستدامة في جميع القطاعات باتت أبرز قضايا المجتمعات والدول الغربية والعربية الساعية لكسب رهان المساواة بين الجنسين، فإن النساء في عمان ماضيات في هذا الطريق لكن الظروف الاقتصادية للسلطنة ومناخ الأزمات الاقتصادية العالمية جعلهن يواجهن تحديات البطالة كبقية فئات المجتمع من الشباب والرجال. وهي اليوم تجد صعوبة في المشاركة في بناء وطنها كقوة عاملة منتجة غير أن هذه الصعوبة لا ترجع للتمييز ضدها بل لأن الظروف الاقتصادية في بلدها أصبحت عائقا أيضا أمام جيل الشباب الباحث عن عمل رجالا ونساء على حد السواء.

المرأة العمانية مصممة على مواصلة مسيرتها نحو النجاح في جميع المجالات

وفي عمان يمكن أن نتحدث عن المساواة في النوع الاجتماعي خاصة فيما يتعلق القوانين والتشريعات التي بنيت على هذا الأساس ولم تترك مجالا للتمييز بين المرأة والرجل فقد قامت السلطنة باتخاذ العديد من التدابير لكفالة حقوق المرأة في الكثير من المجالات وفي هذا الصدد يمكن الحكم بأن العمانيات متقدمات في المجال التشريعي عن نساء كثيرات في بعض الدول العربية. وتمثل القوانين التي تضمن الحق في التعليم أبرز التشريعات التي تقر بكل وضوح المساواة بين المواطنين العمانيين في التعليم دون تمييز أو إقصاء.

وتهتم العمانيات بالتعلم وبتحقيق النجاح والحصول على شهائد علمية لإدراكهن أنه الوسيلة الأولى لبناء الذات وتنمية المواهب والقدرات ولإيمانهن بأن المستوى العلمي يوفر لهن حظوظا وافرة في الحصول على وظيفة تؤمن لهن حياة كريمة مستقلة مادية وتمنحهن مكانة اجتماعية مرموقة. كما أن الشهائد العلمية تجعل الكفاءة والمستوى العلمي هما الفيصل والمقياس الرئيسي عند الانتداب في الوظائف في المؤسسات العامة والخاصة ولا يكون عامل المستوى العلمي أو ضعف القدرات عائقا أمام المرأة أثناء البحث عن شغل.

الإيمان بضرورة تفعيل نصف المجتمع في النهضة بالسلطنة وبالدور المحوري الذي يلعبه التعليم في ذلك دفع السلطنة إلى الجمع بين الاثنين وإقرار التعليم كحق أساسي يتمتع به جميع أفراد المجتمع دون تمييز بين الذكور والإناث وهو ما تضمنه الدستور في مادته 13 التي تؤكد على حق التعليم للجميع ودون استثناء ويقول نصها “التعليم ركن أساسي لتقدم المجتمع ترعاه الدولة وتسعى لنشره وتعميمه، وهذا الحق مضمون للجنسين”.

الملاحظ هنا أن المشرع العماني ركز على المساواة لفرض حق الفتيات في التعليم ومثل بذلك الحافز الأول والراعي والداعم الأقوى لتعليمهن ذلك أنه في عام 1970 لم تكن هناك مدارس تستقبل الفتيات وتنقذهن من براثن الأمية وكانت المرأة تعاني ارتفاع نسب الأمية مقارنة بالرجل، غير أن المجتمع سرعان ما قبل تسجيلها في المدارس بفضل هذا الدعم الحكومي الذي شجعهم على تبني فكرة أن التعليم لكل أفراد المجتمع أول الخطوات نحو النهضة.

فتأسست المدارس ودخلت الفتيات الفصول الدراسية كما الفتيان وتمتعن بحقهن في التزود بالعلم والمعرفة وحققن نسب تسجيل مرتفعة وتفوقن أحيانا في نسب النجاح عن الفتيان وتعكس المؤشرات في هذا الجانب تطور الوضع التعليمي للمرأة، حيث ارتفعت نسبة التحاق الإناث بالتعليم الأساسي إلى 50 بالمئة خلال العام الدراسي 2012-2013، وأظهرت الإحصائيات زيادة توجه الفتاة العمانية للالتحاق بالتعليم العالي، حيث ارتفع عدد الملتحقات بالتعليم العالي من العمانيات بنسبة 23 بالمئة في الفترة الممتدة بين عامي 2007 و2012 ليصبح عددهن حوالي 52 ألف طالبة. كما انخفضت نسبة الأمية لدى العمانيات من 29.5 بالمئة عام 2003 إلى 19.4 بالمئة عام 2010.

فوائد التجربة التعليمية للإناث لم تقف عند ارتفاع نسب المتعلمات أو عند زيادة قوة العمل، بل امتدت إلى تطلعات أكبر حيث نما الفكر النسوي وانخرطت المرأة في العمل المدني والمجتمعي

إقبال الفتيات على التعلم انعكس بالإيجاب على قوة العمل العمانية من حيث تنوع الاختصاصات وتوفر الخريجين في عديد المستويات التعليمية واستطاعت المرأة العمانية اختراق سوق العمل وهي ماضية في مسيرة تعزيز وجودها في جميع المجالات خاصة بعد أن بلغ تعداد العمانيات لهذا العام نحو نصف المجتمع بنسبة أكثر من 49 بالمئة من السكان. وهو ما يثبت الأهمية المطردة للمرأة العمانية في التنمية في ظل حقيقة أنّ غالبية هذا العدد في سن العمل لتشغل المرأة 47 بالمئة من الوظائف الحكومية فيما تبلغ نسبتهن في القطاع الخاص 22 بالمئة وتصل نسبة العمانيات بين العمال الزراعيين الدائمين إلى 29 بالمئة.

هذه البيئة الاجتماعية والسياسية والتعليمية وتقبل المجتمع لوجود المرأة في مختلف المجالات الاقتصادية إلى جانب قوانين الشغل وفرت مناخا ملائما لتقدم العمانية العاملة، والآن نجد العمانيات قائدات في الجيش ووزيرات وبرلمانيات وقاضيات ومعلمات وطبيبات وباحثات ومبدعات في الفنون والآداب.. وتدافع قوانين العمل على حقوق العاملات وعلى رأسها الحق في المساواة بالرجل حيث تنص المادة 80 منها على أنه “تسري على النساء العاملات جميع النصوص المنظمة لتشغيل العمال دون تمييز في العمل الواحد بينهم”.

وعند النظر في عدد من النصوص القانونية لتنظيم العمل نلاحظ تمييزا إيجابيا من منظور النوع الاجتماعي إذ تراعي هذه المواد المسؤوليات الاجتماعية والأسرية للمرأة العاملة فنجد تحديدا لأوقات عمل المرأة، ومراعاة لصحتها “لا يجوز تشغيل النساء في الأعمال الشاقة”، حسب المادة 82 من الدستور.
الإيمان بدور المرأة في التنمية فسح أمامها المجال للتميز
كما تكفل المشرع بالتنصيص على حقوق المرأة العاملة في حالات الحمل والأمومة وهو ما يمثل صمام أمان لضمان حق الطفل في الرعاية الأسرية في حال كانت أمه تعمل خارج المنزل ويقر النص القانوني بمنح “المرأة العاملة إجازة خاصة لتغطية فترة ما قبل وبعد الولادة وذلك لمدة خمسين يوما براتب شامل..”، كما لا يتيح الفرصة للمشغل لاضطهاد حقوق المرأة خاصة بعد الولادة ويحجر عليه “فصل عاملة لغيابها بسبب مرض يثبت بشهادة طبية أنه نتيجة الحمل أو الوضع..”، هذه الفصول تؤكد دعم السياسات الاقتصادية العمانية لعمل المرأة وحرصها على حماية حقها فيه ومنحها نفس الفرص بالتساوي مع الرجال.

فوائد التجربة التعليمية للإناث لم تقف عند ارتفاع نسب المتعلمات أو عند زيادة قوة العمل، بل امتدت إلى تطلعات أكبر حيث نما الفكر النسوي وانخرطت المرأة في العمل المدني والمجتمعي وأنشئت الجمعيات النسوية وانخرطت السيدات فيها كما في غيرها من الجمعيات المدنية ولعبت أدوارا هامة في تنمية المجتمع والمساعدة على نهوض مختلف فئاته. من جهة أخرى ساهمت في نشر الوعي لدى النساء بحقوقهن وتشجيعهن على التمتع بها دون خوف. وطال النشاط المدني النسوي توعية النساء بضرورة المشاركة في المجال السياسي حيث لعبت ناشطات المجتمع المدني دورا هاما في نشر فكرة مشاركة النساء أولا كمواطنات ناخبات يعبرن عن آرائهن في اختيار من يمثلهن ويدير شؤون السلطنة وكذلك كمترشحات للمقاعد البرلمانية أو لمجلس الشورى أو للمناصب الحكومية.

المتأمل في تجربة ومسيرة المرأة العمانية يتبين اختلافها عن بقية النساء في عديد الدول الخليجية والعربية التي ما زال بعضها يناقش حق المرأة في السفر وفي السياقة وفي العمل في المناصب القيادية وحقها في المشاركة السياسية.. لكن تقدم المرأة العمانية لا ينفي وجود معوقات في طريقها نحو التنمية وتحقيق المساواة فإلى جانب الظروف الاقتصادية التي تعيق حصولها على فرص العمل المناسبة ما تزال بعض الفئات الاجتماعية متشددة في نظرتها وتعاملها مع النساء وهو ما يفرض مزيدا من العمل من قبل الدولة والمنظمات المدنية على رفع مستوى الوعي لدى العمانيين بتقديم دعم أكبر للمرأة.

20