حقوق الملكية الفكرية.. حق حتى آخر رمق

الثورة التكنولوجية ساهمت في تعقيد الحفاظ على حقوق الملكية، لذلك لا بد من خطوات جريئة بعضها له علاقة بالقوانين وأخرى له علاقة بتقاليد وأخلاق وثقافة المجتمع.
الثلاثاء 2018/10/09
الانتقام لجهود المبدعين الأصليين

لم يتوقف السجال يوما عن الملكية الفكرية والحفاظ على حقوق أصحابها. ومع ثورة المعلومات الهائلة تواجه عملية ضبط هذه المسألة مشاكل متفاقمة، ما يكبد البعض خسائر جسيمة تؤثر أحيانا على العملية الإبداعية برمتها.

أخفقت الكثير من الجهات المسؤولة بدول عديدة في تطبيق القوانين التي شرّعت الضوابط اللازمة لعدم الجور على حقوق المؤلفين والمخترعين في شتى المجالات الثقافية والعلمية، والذين بذلوا جهدا مضنيا لتحقيق إنجازات متفرقة.

ليس من الطبيعي أن يتساوى هؤلاء مع من درجوا على سرقة الأفكار، بالتحايل والسطو والاقتباس أو أي وسيلة ملتوية تسلب إبداعات من سهروا واجتهدوا ووصلوا إلى تحقيق أحلامهم بالكد والجد والتعب، فمن الضروري أن يجني هؤلاء ثمار ما قاموا به وقدموه للبشرية من أفكار ساهمت في حدوث طفرات هائلة.

تزداد الخروقات مع الموضوعات والقضايا ذات العلاقة بالأفكار أكثر من المنجزات الملموسة، لأن الأولى مطاطة ويسهل السطو عليها وتلوينها بوضع مساحيق عليها أملا في إخفاء معالمها الرئيسية، بينما تبدو الثانية أشد وضوحا، لأنها معقدة ولها إجراءات قانونية تمكن أصحابها من الحفاظ على حقوقهم.

ساهمت الثورة التكنولوجية في تعقيد الحفاظ على حقوق الملكية بدلا من تسهيلها، وأصبح هناك ما يشبه اللجان الإلكترونية التي تقوم بالاستحواذ على بعض المنجزات الثقافية والفكرية، دون وجود وسائل رادعة، للعقاب والتعويض المادي والمعنوي.

اتسع الحديث عن الملكية الفكرية بما يتجاوز الحدود التقليدية، وتنشغل صحف كثيرة اليوم بالبحث عن وسائل لتعظيم مكاسبها نتيجة الخدمات التي تقدمها عبر مواقعها الإلكترونية.

السطو، مهما كانت مبرراته وتفسيراته التي تتحلى أحيانا بقدر من المنطق، سوف يعوق التوصل إلى المزيد من الإنجازات، ويعرقل مسيرة التقدم

ويواجه مثلا التفاهم مع غوغل وفيسبوك وتويتر وانستغرام وغيرها، صعوبات وتحديات جمة، وتدور معركة حامية في إنكلترا، لأن هذه المواقع العملاقة ترفض اقتطاع جزء من عوائد إعلاناتها لدعم الصحف مقابل الاستفادة من المواد التي يتم بثها يوميا، ولا تزال ملامح الحرب الإعلامية مستمرة، بما ينذر بالمزيد من المواجهات المتبادلة.

ترى الصحف أن المواد الثقافية وغيرها والتي تضعها على مواقعها ملكية فكرية خالصة لها، ومن حقها الحصول على قيمة مادية من المواقع الكبيرة التي يتم الدخول من خلالها إلى موقع الصحيفة أو المجلة أو أي موقع شخصي.

لجأ البعض إلى عمل “تريندات”، أي معدلات كبيرة للإقبال على صفحاتهم الخاصة، ونجحوا في الحصول على عوائد مادية جيدة، بينما لا تزال الكثير من الصحف تكابد للتقليل من خسائرها، في ظل منافسة حادة أخذت أشكالا صراعية متباينة.

عندما لجأت بعض الصحف إلى فرض رسوم مادية على رواد مواقعها، لم يتمكن معظمها من جني ثمار جيدة مما يتم تقديمه من خدمة للحفاظ على ملكيتهم الفكرية، ومنهم من توقف تماما، ومنهم من يحاول تطوير أدواته عبر تجويد المواد التي يتم بثها.

تدافع المواقع المهيمنة على الفضاء الإلكتروني عما تراه حقا خالصا لها، أي عدم دفع القيمة المادية المطلوبة للصحف، فهي تؤمن بأنه دونها لن يتمكن القراء من الوصول إلى الصحف والاطلاع على محتوياتها الفكرية، بالتالي فهي مستفيدة، ولو تم حجب المواقع الخاصة بالصحف أو الأشخاص عبر غوغل وغيره لن يتمكن أحد من الوصول إليها.

بالطبع هو حق يراد به باطل، لأنه يضرب حق الملكية الفكرية في الصميم، ويتسبب في خسائر جسيمة لأصحاب الأفكار النيرة، ويعيدنا إلى جدل مضن حول أيهما يخدم الآخر.

هي مشكلة كبيرة تبحث عن حلول عملية، تحقق أهداف جميع الأطراف، وأهمها الحفاظ على الملكية الفكرية، لأن السطو، مهما كانت مبرراته وتفسيراته التي تتحلى أحيانا بقدر من المنطق، سوف يعوق التوصل إلى المزيد من الإنجازات، ويعرقل مسيرة التقدم أو تمضي في سبيلها دون أن يحصل المبدعون على حقوق مناسبة لما أحرزوه من تطور.

يصعب على كل شخص يحقق إنجازا في مجال معين عدم حصد المقابل الملائم. ربما تكون الدول المتقدمة حققت جانبا من التوازن في هذه المعادلة وضبطت معيارها من خلال وضع قوانين صارمة، لكن المعاناة لا تزال متجسدة في غالبية الدول العربية، التي تواجه فيها حقوق الملكية أزمات قاسية، بسبب كثافة طرق التحايل، والافتقاد إلى وجود ضمانات قوية للحفاظ عليها، وإذا وجدت تعتريها صعوبات في التطبيق.

يتطلب الحفاظ على الملكية خطوات جريئة، بعضها له علاقة بالقوانين التي تضع حدا للتجاوزات التي ترتكب يوميا، وبعضها الآخر له علاقة بتقاليد وأخلاق وثقافة المجتمع.

12