حقوق الملكية معركة عالمية من نوع آخر على لقاحات كورونا

بعض الدول لا تعارض التنازل عن الملكية الفكرية وتعتبره يسمح بتسريع الجهود لوضع حد للوباء الفتّاك.
الخميس 2021/03/04
سجالات قديمة جديدة

جنيف - لم تتوقف السجالات لسنوات طويلة حول الملكية الفكرية والحفاظ على حقوق أصحابها ومع ثورة المعلومات الهائلة واجهت عملية ضبط هذه القضية الشائكة مشاكل كبيرة، لكن الأنظار اتجهت اليوم إلى مسألة مصيرية تتعلق بالحفاظ على حياة البشرية بعد التوصل إلى لقاحات فايروس كورونا أثبتت معظمها فاعليتها.

ولدى بعض الدول هواجس من أن يشهد العالم فصلا جديدا من الخلافات بعد التوصل إلى لقاحات تقضي على الجائحة، ومرد هذا القلق رفض بعض الجهات مشاركة الحقوق الملكية للقاحات، ما جعل المتابعين يراقبون باهتمام مآل هذه النقاشات بينما تبث الدول التفاؤل بأن موعد القضاء على الجائحة يبدو قريبا.

وقد واجهت منظمة التجارة العالمية ضغوطا تقودها الهند وجنوب أفريقيا للتنازل عن حقوق الملكية الفكرية للقاحات ضد فايروس كورونا، وهي فكرة ترفضها شركات الأدوية العملاقة وبلدانها بشكل قاطع. وتم طرح هذه المسألة المثيرة للانقسام خلال أول اجتماع لمجلسها العام مطلع هذا الأسبوع مع تولي مديرتها الجديدة نغوزي أوكونجو-إيويلا منصبها.

وترى بعض الدول في التنازل عن الملكية الفكرية إجراء يسمح بتسريع الجهود لوضع حد للوباء الفتّاك الذي شلّ الاقتصاد العالمي، ولكن أي اتفاق داخل منظمة التجارة يتطلب مرونة في البراءات، ويتعلق ذلك بالترخيص الإلزامي والاستخدام الحكومي والاستثناءات من الحقوق الممنوحة، كما أنه يوفر طريقا لتجاوز الحقوق الحصرية.

حملة أطباء بلا حدود ترى أن كافة الأدوات الصحية والتكنولوجية المرتبطة بكوفيد - 19 يجب أن تكون منفعة عامة عالمية

ومنذ الإعلان عن التوصل إلى لقاحات فعالة لوباء كورونا، طلبت الهند وجنوب أفريقيا، من منظمة التجارة العالمية، رفع قيود حماية الملكية الفكرية عن هذه الأدوية، مثلما فعلت مع الأدوية الخاصة بمقاومة الفايروس المسبب لفقدان المناعة (إيدز)، وهي خطوة لاقت إشادة كبيرة لإنقاذها حياة الملايين في أفريقيا، لكن محاولات تلك الدول تلقى معارضة شديدة.

وهذه ليست المرة الأولى التي يناقش فيها أعضاء منظمة التجارة العالمية التنازل عن الملكية الفكرية المتعلقة بالصحة، فقد تم أول اتفاق من نوعه في 2003 بعد عدة أعوام من النقاش المرير أحيانا، استنادا إلى دعوة تقول “إن التنازل سيكون ضروريا لإنقاذ الأرواح”.

ولكن مفاوضات تحويل “التنازل” الذي تم الحصول عليه قبل 18 عاما إلى مواد قانونية تبنتها منظمة التجارة العالمية، وانتهت في العام 2005 بعد مناقشات مشحونة حول إذا ما كان “التنازل” وتعديل اللوائح ضروريين لإنقاذ الأرواح، مما يجعل الأمور أكثر صعوبة الآن لدرجة أن بعض المراقبين وصفوا ما يحصل بأنه “معركة من نوع آخر”.

ومع ذلك، يظهر اليوم إصرار أكبر مما كان عليه السابق، فقد قدمت الهند وجنوب أفريقيا في مطلع أكتوبر الماضي خطتهما المتعلقة بالملكية الفكرية وحازت دعم عدد كبير من الدول الناشئة التي توقعت عن حق أن تجد نفسها في موقع متأخر من السباق للحصول على اللقاحات.

ويقترح النص منح إعفاء مؤقت من بعض الالتزامات بموجب الاتفاق حول الجوانب التجارية لحقوق الملكية الفكرية المعروف باسم “اتفاق تريبس” بما يمكّن أي بلد من إنتاج اللقاحات دون الاكتراث لبراءات الاختراع. ويغطي الإعفاء أيضا التصاميم الصناعية وحقوق التأليف والنشر وحماية المعلومات غير المكشوف عنها على أن يسري حتى تنفيذ التلقيح على نطاق واسع عالميا واكتساب غالبية سكان العالم مناعة ضد الفايروس.

وهذا التوجه تدعمه أكثر من 80 دولة من بينها مصر والأرجنتين وبنغلاديش والكونغو الديمقراطية وإندونيسيا وكينيا ونيجيريا وباكستان وفنزويلا، كما تدعمه منظمات غير حكومية من بينها أطباء بلا حدود، فضلا على أن الفكرة تحظى أيضا بتأييد من المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبرييسوس، الذي واجه انتقادات شديدة بسبب هذا الموقف.

Thumbnail

وتعتقد كل هذه الجهات الداعمة لهذا التوجه أنّ المقترح سيسهل الحصول سريعا على منتجات طبية بأسعار مقبولة لكل البلدان التي تحتاج إليها دون انتظار عمليات التوزيع ثم التطعيم، والتي تتطلب وقتا طويلا خاصة مع تفاقم المخاوف من السلالات المتحورة للفايروس.

وتقول سيدني وونغ، المديرة التنفيذية المشاركة لحملة أطباء بلا حدود لتوفير الأدوية الأساسية إنّ “كافة الأدوات الصحية والتكنولوجيا المرتبطة بكوفيد – 19 يجب أن تكون منفعة عامة عالمية غير خاضعة للعوائق التي تفرضها براءات الاختراع وحقوق الملكية الفكرية”.

ويعارض الاتحاد الدولي لصناعات وجمعيات الأدوية المقترح بشدة. ويؤكد رئيسه توماس كويني أنّ سحب براءات الاختراع أو فرض تنازل عنها سيجعل من الصعوبة الحصول على جرعة إضافية. وقال “لن يجعلكم ذلك قادرين على الحصول على اللقاح لأنكم لن تعرفوا رغم ذلك كيف توزعونه على نطاق واسع”.

كما أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وسويسرا، وهي دول تؤوي مقرات كبرى شركات الأدوية، بالإضافة إلى أستراليا وبريطانيا واليابان والنرويج وسنغافورة تعارض الفكرة بتعلة أن المختبرات أنفقت أموالا طائلة لتطوير اللقاحات في وقت قياسي، وهي تعتقد أنها في أفضل موقع لإنتاج اللقاحات على النطاق العالمي المطلوب.

وتلفت هذه الدول إلى أنّ قواعد الملكية الفكرية السارية بمنظمة التجارة العالمية تتضمن أحكاما تنص على منح “تراخيص إلزامية” وضعت تحديدا للحالات الطارئة. وتمنح التراخيص الإلزامية شركات غير تلك التي تحمل براءة الاختراع ترخيصا لتصنيع منتج، ضمن إجراءات وشروط معينة يجب احترامها.

لكنّ الدول الداعمة للمقترح تقول إنّ الحصول على هذه التراخيص الإلزامية تدبير بيروقراطي استثنائي، يخضع للكثير من العقبات أبرزها وجوب النظر في كل حالة على حدة. وهذا الأمر يطرح مسألة أخرى لا تقل أهمية وهي غياب المساواة في مواجهة أزمة جعلت الجميع أمام معركة لا أحد يمكنه التنبؤ متى ستنتهي.

6