حقوق النازح ضائعة بسبب الصراعات السياسية في ليبيا

في وقت تتصارع فيه عسكريا ثلاث حكومات على الحكم والشرعية في ليبيا، يعاني قرابة 350 ألف نازح في عدد من المدن الليبية أوضاعا إنسانية متردية للغاية، خاصة أنهم لم يحصلوا على أي مساعدات حكومية منذ عام 2013.
الجمعة 2017/01/13
صراع الفرقاء يزيد الأوضاع سوءا

طرابلس – مع الثورة الشعبية، التي أطاحت بالعقيد الراحل معمر القذافي عام 2011، بدأ النزوح من مختلف مدن ليبيا، حيث يسكن نازحون حاليا في مخيمات ومدارس ومبان سكنية تحت الإنشاء، بينما استأجر البعض منازل متهالكة غير صالحة للسكن، وأقام آخرون في منازل أقارب لهم في البلد العربي الغني بالنفط.

وفي أغسطس الماضي، أعلن مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا، مارتن كوبلر، أن نحو نصف سكان ليبيا، أي أكثر من 2.4 مليون شخص، بحاجة إلى مساعدات إنسانية، بينهم قرابة 350 ألف نازح، مشيرا إلى حرمان نحو 300 ألف طفل ليبي من التعليم؛ جراء الصراع المسلح بين الفرقاء الليبيين.

ولمواجهة هذا الوضع، تسعى خطة الاستجابة الإنسانية في ليبيا عام 2017 إلى جمع 151 مليون دولار، لتوفير أكثر الاحتياجات الحيوية والمنقذة لأرواح قرابة 940 ألف شخص، بحسب ما أعلنته البعثة الأممية للدعم بليبيا في ديسمبر الماضي.

وقال يوسف جلاله، وزير الدولة المفوض لشؤون النازحين والمهجرين في حكومة الوفاق الوطني، المعترف بها من المجتمع الدولي، إن “كل القرارات التي صدرت من الحكومات المتعاقبة كانت متعلقة بالكوارث والأزمات، ضمن حالات الطوارئ، ولم تسع إلى إيجاد أي تشريع يخدم ويحمي النازح، الذي ضاعت حقوقه بسبب الصراعات السياسية”.

وتابع جلاله أن “حكومة الوفاق لا توجد لديها إحصائيات دقيقة بشأن عدد النازحين، فالنسب متفاوتة بحسب الظروف الأمنية في مناطق النزوح.. النازحون سيمثلون أولوية لوزارة الدولة باعتبارها الجهة المخولة قانونا من المجلس الرئاسي (لحكومة الوفاق) بمعالجة هذا الملف في أقرب فرصة ممكنة، ومحاولة إعادة النازحين إلى منازلهم في أقرب وقت ممكن”.

وأوضح الوزير الليبي أن “النازحين لم يحصلوا على أي مساعدات (حكومية) منذ عام 2013، رغم رصد 50 مليون دينار (38 مليون دولار) لمساعدتهم بداية 2014 إلا أن هذه الأموال لم تصرف، ويقتصر عملنا حاليا علي التنسيق مع مؤسسات المجتمع المدني والهيئات الدولية الإغاثية، التي تمنح النازحين مساعدات تشمل المواد الغذائية وأخرى غير غذائية، مثل الأغطية والدفايات والوسائد”.

وخلال عامي 2011 و2012 جرى منح النازحين 62 مليون دينار (48 مليون دولار) في هيئة إعانات مالية نقدية.

وبحسب “المرصد الليبي لحقوق الإنسان” (غير حكومي)، فإن المدن الأربع الأكثر معاناة إنسانيا، هي: ورشفانة (غرب)، التي تضم نحو 260 ألف نسمة، وبنغازي (شرق) 27 ألف نسمة، وسرت (شمال وسط) 13 ألف عائلة، وككلة (جنوب) 12 ألف نسمة.

وقال السيد سالم القمودي، رئيس “مؤسسة الطاهر الزاوي للأعمال الخيرية” (غير حكومية) حول دور منظمات المجتمع المدني، إن “مؤسسات المجتمع المدني لا تسعي فقط إلى توزيع المواد الغذائية وغير الغذائية علي النازحين، وإنما تطالب أيضا بسن قانون يحمي هؤلاء النازحين”.

وأضاف القمودي “نحن كمجتمع مدني في ليبيا نقدم المساعدات الغذائية للنازحين في كل أرجاء ليبيا، ونحاول تخفيف المعاناة عنهم، وتوفير حياة كريمة في ظل ارتفاع الأسعار غير المسبوق، ونقص السيولة في البنوك الليبية”.

وتعمل مؤسسات المجتمع المدني الليبية، في هذا المجال، بالتعاون مع منظمات دولية، منها برنامج الغذاء العالمي، الذي وزع، خلال عام 2016، مساعدات على أكثر من 5.5 مليون شخص (من أصل تعداد ليبيا البالغ أكثر من 6.5 مليون نسمة)، والهلال الأحمر القطري، الذي وزع خلال العام نفسه مساعدات على ما يزيد عن 95 ألف شخص، فيما قامت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونسيف) بصيانة وترميم 20 مدرسة في منطقتي أوباري وسبها (جنوب)، وإنشاء مساحات خضراء داخل مخيمات نازحي تاورغاء (شمال غرب).

وتسببت الحياة الصعبة التي يعيشها هؤلاء النازحون في ظهور مشكلات صحية ونفسية بينهم، إذ أظهرت دراسة أجراها مستشفى بنغازي أن 87 بالمئة من النازحين يعانون الاكتئاب والقلق والخوف والاضطراب النفسي والكوابيس.

وأكد الدكتور أبوالقاسم عبدالله جبران أنه تكثر بين النازحين الأمراض المزمنة، مثل السكري والضغط وحساسية الصدر، وكذلك الأمراض الموسمية، كالأنفلونزا والتهابات المسالك واضطرابات الجهاز الهضمي والأمراض الجلدية المعدية.

ودعا عبدالرزاق مصطفي، المسؤول الإعلامي في مخيم “الفلاح” للنازحين (وسط العاصمة طرابلس) الحكومة إلى “أن تهتم بالنازحين، خاصة داخل المخيمات، لما يعانونه من ظروف صعبة في البرد القارس، والحرارة الشديدة، وفي السكن الجماعي.. ندعو الحكومة إلى توفير مساكن، والإسراع بإعادة النازحين إلى منازلهم”.

وأكد شاعر عيسي أرحومة، أحد النازحين، أنهم يعانون كثيرا “مياه الأمطار تدخل مقار إقامتنا.. الناس تعيش معاناة كبيرة في البرد بينما بيوتنا خالية.. الأطفال وكبار السن هم الأكثر معاناة”.

ووصفت خديجة عمر الورفلي، رئيس الفريق الحقوقي بـ”المنظمة الليبية للتنمية” (غير حكومية) أحوال النازحين بقولها إنهم “يعيشون أوضاعا متردية للغاية، ويتعرضون لانتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، تشمل عدم حصولهم على مأوى صحي لائق وآمن، ونقصا حادا في مستلزمات الحياة الأساسية من غذاء ومياه صالحة للشرب وملابس وأدوات طبخ واحتياجات شخصية”.

وأضافت الورفلي أنهم يعانون أيضا من “انعدام الدخل الشخصي والعمل، وانعدام الرعاية الطبية والتعليمية، وكذلك انعدام المشورة النفسية والاجتماعية والمساعدة القانونية، فضلا عن عدم توعية النازحين بحقوقهم”.

ولا يبدو في الأفق انفراج لأزمة النازحين، في ظل صراع مسلح بين الفرقاء تغذيه أزمة سياسية أوجدت 3 حكومات متصارعة، اثنتان منها في طرابلس، وهما حكومة الوفاق الوطني، المدعومة من المجتمع الدولي، وحكومة الإنقاذ، ثم حكومة ثالثة، وهي الحكومة المؤقتة في مدينة البيضاء، المنبثقة عن مجلس النواب في مدينة طبرق (شرق).

4