حقول القتل

اليسار المتطرف يقول ويطالب ويدعم فكرة إسقاط الطبقة الرأسمالية “البورجوازية” بدعوى أنها طبقة مستغلة تستغل العمال وتبني كل ما تملكه على أساس "فائض القيمة".
الأربعاء 2018/05/09
من يرفع شعار "المجد للفقراء"

من المسلّم به أن اليمين المتطرف الذي يستند إلى أرضية إسلامية أو يزعم هذا، يلتقي رغم أنفه مع اليسار المتطرف الذي يستند إلى أرضية ستالينية، فكلاهما يصل إلى نفس الاستنتاجات، حتى لو بدا شكليا، أنهما مختلفان في التوصيف والمنطلقات.

اليسار المتطرف يقول ويطالب ويدعم فكرة إسقاط الطبقة الرأسمالية “البورجوازية” بدعوى أنها طبقة مستغلة تستغل العمال وتبني كل ما تملكه على أساس “فائض القيمة”، واليمين الديني المتطرف يروّج لخطاب يستند إلى فكرة أن الدولة التي لا تطبق الإسلام، حسب مفاهيم هذا الفصيل عن الإسلام بالطبع، هي دولة مارقة كافرة يجب محاربتها وإسقاطها حتى لو سقط خلال تلك الحرب مئات الآلاف من الضحايا الأبرياء.

اليسار لا يرى في البورجوازية سوى شر مطلق، ويرى في الدولة عصابة مسلحة تقمع الشعب وتحرمه من الحرية، تستوي في ذلك لديهم الدولة الديمقراطية مع الدولة الاستبدادية، بل إنهم ربما يفضلون الاتحاد السوفيتي أو الصين وكوريا الشمالية كنماذج للدولة الاستبدادية، على السويد والدنمارك والنرويج وهولندا، كنماذج للدولة الديمقراطية التي تعمل من أجل تحقيق الرفاهية لشعبها.

وفكرة معاداة الدولة هي في حد ذاتها فكرة فوضوية، ولا يعرف العالم أن الفوضوية كحركة فكرية وسياسية مناهضة للمجتمع الرأسمالي شيّدت أو أقامت شيئا ذا قيمة.. بل ويمكن القول أيضا دون أن يكون في هذا أدنى تعسّف، أن “البروليتاريا” التي أحيطت في الماركسية بقدر كبير من “القدسيّة” لم تترك أثرا بارزا يدل ويشهد عليها، بينما أنتجت البورجوازية وما زالت تنتج، الفنون والآداب والفلسفات الحديثة بما فيها الفلسفة الماركسية نفسها، كما أنتجت العمارة العظيمة والموسيقى الكلاسيكية الخالدة، وشيّدت المدن والصناعات الحديثة، وطوّرت أنظمة الخدمات والمواصلات والاتصالات في العالم الرأسمالي.

صحيح أن البروليتاريا لعبت دورا أساسيا في هذه المشاريع كلها، ولكن لولا أموال واستثمارات البورجوازية، بل وحافزها لتحقيق الربح، لما تمكن العمال من تحقيق أي إنجاز.

المفارقة هي أن الطبقة العاملة التي كانت في الماضي “طبقة المقهورين” المحرومة، اقتربت في الدولة الديمقراطية العصرية الحديثة من الطبقة الوسطى وأصبحت تتمتع بالكثير من المميزات والحقوق.

ولا شك أنها حصلت على هذه الحقوق عبر عقود من النضال، في دول تقوم على حكم القانون، فإذا ما اختلت العلاقة بين الطبقة العاملة وبين أصحاب العمل فهناك القوانين التي تنظم الإضرابات التي تحدث بالفعل، إلى أن يتم التفاوض بين الطرفين للتوصل إلى تسوية مرضية بينهما.

ولم تعد الطبقة العاملة تنحصر فقط في عمال بؤساء يعملون في المصانع ذات المداخن الكئيبة التي يتصاعد منها الدخان والتي تعمل بآلات بدائية يدوية تعرض حياة العمال للخطر، بل أصبحت تضم أيضا الموظفين وكل من يعملون بأجر لدى الغير من التكنوقراطيين.

أما الطبقة الوسطى في المجتمعات الاستبدادية فقد أصبحت طبقة محرومة مهمشة سقطت إلى القاع، ربما إلى ما دون شريحة الحرفيين والعمال الذين يعتمدون على العمل اليدوي، مع طغيان البيروقراطية العسكرية بالتحالف مع طبقة التجار الذين يطلق عليهم -ظلما- رجال الأعمال.

ومن الطريف أن ترى من “البورجوازيين التقدميين” من يرفع شعار “المجد للفقراء” مرحبا ومشجعا لتحويل المدن الحديثة إلى أماكن عشوائية قذرة، تنهار فيها الخدمات، وهي رؤية فوضوية تدعم التخريب على طريقة شمشمون الذي هدم المعبد على رأسه وعلى رؤوس الآخرين جميعا!

على مستوى آخر، لم يحقق الذين يطلقون على أنفسهم “الإسلاميين” شيئا ملموسا في مجال العلم والمعمار والفكر والفن والفلسفة والصناعات الحديثة، فهم يدورون داخل دائرة أفكار تنتمي للقرون الوسطى، أي أفكار عفا عليها الزمن، بدعوى أنها أفكار سماوية ليس من الممكن مناقشتهم فيها، بينما هي تعبّر عن تفسيرهم المعوج المعادي للإنسان.

هذه الشريحة لم تنتج في الواقع سوى التطرف والعنف والكراهية والإرهاب، ولم تنجز سوى نموذج واحد يشهد عليها يتمثل في “حقول القتل”!

16