حقيبة السفر

الاثنين 2016/05/02

ليس الإنسان دلالة راكدة، أو كيانا مكتفيا بذاته دائما، بل هو مجموعة متحركة من الإشارات المضافة إليه. إن بيته أوثيابه، سلاحه أوطعامه، زوجته أو فرسه، أصدقاءه أو سيارته، كل ذلك يمثل عبارات أو إشارات هي جزء من لغة خاصة قابلة للتأويل، ولها قدرة فـذة على الإيحاء بدلالات شتى، اجتماعية ومادية وثقافية.

وإذا نظرنا إلى حقيبة السفر، مثلا، لوجدنا أنها واحدة من تلك الملحقات التي يضيفها الإنسان، إلى ذاته، والتي تعبّر عنه في أحيان مخصوصة، هي الأحيان التي يتحول فيها عن زمانه ومكانه. هذه الحقيبة هي حيّز مكاني من نمط خاص، مزحوم بدلالات متجانسة حينا ومتنافرة حينا آخر.

وبعيـدا عن تأويـلات ابن سـيرين لمشـهـد حقيبة السـفر في النـوم، مفتوحـة أو مقفلـة، خـاويـة أو ممتلئة، كبيرة أو صغيرة، فإن لها في عالم اليقظة شبكة واسعة من التداعيات. إن لها في اللغة وفي المخيلة والذاكرة على سبيل المثال، إشعاعا وجدانيا لا ينتهي. كما أن لها انثيالا بصريا غزيرا. إن مشهدها ملقاة في محطة منسية يثير في النفس أضعاف ما تثيره ربما، وهي تزاحم أكداسا من الحقائب الأنيقة. كما أن حقيبة السفر حين تكون مدلاة بإهمال واضح من يد مسافر وحيد تختلف عن مثيلتها وهي تنتقل بين أيدي المودعين أو المستقبلين في مطار فاره. حالتان متناقضتان، مسافر يرحل محاطا بالعزلة، ومسافر تحفّ به سيول من الحقائب والأزهار كما يقول محمد الماغوط.

وإذا كانت غادة السمان ترى جسدها حقيبة سفر فإن محمود درويش يفك ارتباط الحقيبة بالجسد ليذهب بها بعيدا في مدارج الدلالة على الوطن والانغمار فيه “وطني ليس حقيبةْ – وأنا لست مسافرْ” أما بلند الحيدري فلا يراها إلا من خلال إحساس غامر بالضياع والعزلة “هذا أنا، ملقى- هناك حقيبتانْ- وخطى تجوس على رصيف لا يعود إلى مكان”.

وإذا كانت الحقيبة قد شغلتنا حتى الآن بدلالاتها الشعرية التي نتأمل فيها ومن خلالها، دلالة الحقيبة وتداعياتها، فإنها على مستوى الواقع حافلة أيضا بدلالات عملية لا يستهان بها، فهي قد تكون مدعاة للشبهة، تثير الخوف والريبة. وقد تكون معكرّة لمتعة السفر أحيانا، ومشتتة للكثير من ملذاته الروحية لضخامتها أو تعددها، أوما تتطلبه من وقت لإعدادها وترتيب ما فيها من محتويات.

قد تتحول حقيبة السفر لدى البعض إلى بؤرة للقلق، أحيانا، فهذا البعض قد يضطر إلى المرابطة لدى حقيبته دون أن يكون مرابطا لديها حقا. قد يكون بعيدا عنها، بعدا فيزيائيا واضحا، في نزهة برية، أو جولة حرة في شوارع المدينة أو فضاءاتها القديمة، في متاحفها، أومكتباتها، أومقاهيها المكتظة، لكنه لا يذهب إلى هذه الأنشطة بكلّيته، باسترخاء مطلق أو استمتاع نشيط، بل يظل في الغالب منشطرا على ذاته، تاركا جزءا منه يسهر عند حقيبته المحفوفة بالاحتمالات، حارسا أشياءها القيمة، مراكما دواعي خوفه عليها.

وفي ظل الإجراءات الأمنية في مطارات العالم ومنافذه الحدودية، التي تتضاعف وتزداد قسوة كل يوم، لم يعد لحقيبة السفر ما كانت تتمتع به من تعدد وضخامة وتخمة. كانت تلك الحقيبة، أوالحقائب، شديدة الدلالة على حنوّ صاحبها، ودفئه الاجتماعي وارتباطاته الحميمة، المحب المثقل بالبراهين على وفائه، ربّ الأسرة المحترف، صانع الفرح والمباهج العائلية.

وأكاد أزعم أن الحقيبة، في أحيان كثيرة، هي لغة المسافر، يكشف بها، ودون وعي منه ربما، عن مستواه الاجتماعي ودرجة تحضره، عن مزاجه أوذائقته، ومنحاه الشخصي في السلوك أو التأمل. قد يبدو مسافر ما وكأنه جزء من مشهد قروي فولكلوري: هجرة عائلية بكل ما فيها من ضجيج وأمتعة، وتسلط، وأطفال، وحقائب.

وقد نرى مسافرا آخر يطلق في مخيلة الكثيرين منا حشدا من التداعيات الشيقة، فهو يحمل أقل متاع ممكن، ذاهبا إلى غايته بانسيابية وأناقة، خفيفا فرحا ودون معوقات. جوّاب آفـاق، ينخـرط في التجـربة منذ اللحظـة الأولى ليغـدو سـفره متعة في حد ذاته، وذوبانا في هواء العالم.

شاعر من العراق مقيم في الإمارات

14