حقيبة المشرد وزاده الأمل

الأحد 2015/08/16

مثل ملايين العرب شرّدت عن وطني تحت وطأة التهديد بالموت وواجهت صعوبات تجلّ عن الوصف عندما هدّدني مقاتلو القاعدة في حي العامرية ببغداد، تركت كل شيء ونجوت بنفسي لم أحمل معي سوى نسخة واحدة من جميع كتبي المنشورة وجواز سفري، وتساءلت حينها بمرارة العاجز المخذول إنما مشبع بالأمل:

- ماذا يحمل المطرود من وطنه وقد ضاع منه الوطن والسكن والأمان؟

كيف بوسع المرء تجميع ذكريات عمر مديد في حقيبة؟ ذكريات عن وطن كان مأواه وملاذ روحه وبيت ذاكرته؟ ماذا يحمل المرء من بيت رسم صورته يوما بيوم ومنحه فرادته وروائح زواياه وظلال عتمته وأرسى كل شيء جميل فيه؟ تساءلت لحظتها: هل أجمع أشذاء الأرض بعد نزول المطر في قارورة؟ هل أقطّر شذا الورد الجوري وأحفظه مثل حبة ماس في حقيبتي؟ هل أجمع غبار طلع النخيل في وعاء مقدّس وأحمله معي إلى يوم مماتي ليعطروا به مدفني؟ أم أحمل صورة الصدع الأليف على الجدار الذي أراه كل صباح وأنا أجلس إلى منضدة الكتابة؟ هل أحمل اخضرار النخلة وأعشاش البلابل وخفق الفراشات في جيوب معطفي؟

وكيف سأحتفظ برائحة الكتب وصوت صرير الباب وزقزقة العصافير على شجرة التين كل فجر؟

وماذا عن أرواح الغائبين الذين يطوفون في برزخ البلاد منذ أول حرب، ويتدفقون حول أحزاننا في كل كارثة ولم يغادروا وليمة أحزاننا مذ داهمتنا الحروب؟

هل أحمل مفاتيح بيتي وأمضي إلى التيه كما حملها الفلسطينيون من قبلُ، حين هُجّروا من ديارهم على أمل عودة محتملة؟؟ أم أمضي بلا أمل في العودة المرتجاة؟؟ كيف سأحمل كل هذه الذكريات وأنا التي تحتّم عليها الهرب متخففة من كل أثقال الدنيا الزائلة؟

خلصت إلى قرار أخير: هذه الأشياء المحبوبة الأليفة كلها، وهذه الروائح والظلال والصور، هذه الأصوات والهمهمات وزقزقات الطير، وهذه الريح التي تدوّي بين الأشجار، وهذه الكرمة التي تظلل نوافذي، جميعها مرسومة كخارطة على أديم الروح ومحفوظة في رعشة الدم وخفقة القلب، وأنا أعيشها وأتنفسها أينما ترحلت في هذا العالم فلماذا أتساءل عمّا سأحمله معي؟

مؤكّد أنني سأحمل مفاتيح البيت فلعل لي عودة إلى وطني ذات سلام، عندما ينتهي احتراب البشر ويتوقف هياج الغرائز الأولية وتتوارى الأحقاد التاريخية والطائفية التي استحضرت ثارات التاريخ وجدل السلطة والاستحقاق فوق بحار من دماء الضحايا، ولكن كيف سأعود وقد أثقلت سنواتي الأحزان والفقدان وانكسار الحلم؟

استحضرت كل هذا الألم وأنا أرى الفارّين من مدن العراق التي احتلها القتلة بموجب صفقة أو ترتيب دولي أو محلي، آلاف مروّعة تحمل متاعها ورعبها وضياعها وتتيه بين المدن، فأبكي محنتنا جميعا نحن الذين اقتلعنا من ديارنا وألقتنا

حماقة الساسة في العراء، وضحّت بآلاف المواطنين الأبرياء على مذبح شهوات الحكم والاستئثار بالسلطة، وأتساءل: ترى من سيبقى للبلاد وقد تجرّعت الحشود ثمار الخراب السامة وتحملت خطيئة جشع السلطة وجنونها؟

أتساءل بقنوط أكيد: هل غادرت بلداننا سلامها إلى الأبد وانتهى الأمر؟ أجل، فقد غيّر كوكبنا الأرضي عاداته وحلّت عليه اللعنة، وتزلزلت الخرائط والنفوس والأجناس كما شاءت إرادات الدول الكبرى، التي تعبث بمصائرنا وتخدعنا كل لعبة حرب، نحن الضحايا والأرقام المجهولة في سجلات مغانمها وانتصاراتها المدوّنة بدمائنا وخسائرنا.

كاتبة من العراق مقيمة في عمان

13