حقيقة التجاذب بين المرجعية وولاية الفقيه في إيران

الاثنين 2015/02/16
جمع المرجعية بولاية الفقيه مكن آيات الله من إخضاع الإيرانيين لسلطة الدين والسياسة

طهران- الاختلاف بين المرجعية وولاية الفقيه يُظهر حجم التباين في الرؤى بين من يرى الدفع المطلوب باتجاه تغيير الواقع السائد، من خلال فعل الثورة، ومواجهة النظام القائم، مهما كانت باهظة الكلفة، وبين من يرى ضرورة السعي إلى تغيير فصل النظام أو بعض من سياساته أو قراراته، دون الوصول ما أمكن إلى الاصطدام به أو محاولة تغييره.

المرجعية هي نوع من القيادة الدينية في مجال علوم الدين والشريعة، حيث يصل المرجع إلى تلك القدرة العلمية، التي تتيح له فهم الدين الإسلامي من مصادره الأساسية، خاصة في إطار الشريعة، حيث يستحصل على هذا الفهم من خلال عملية الاستنباط، والذي يعبّر عنه ببيان ما توصل إليه في ما يسمى بالإفتاء، سواء عبر كتاب يتضمن مجمل ما توصل إليه في أحكام الشريعة، وفي ما يعرف بالرسالة العملية، أو عبر فتاوى تتضمن الإجابة على قضايا جزئية.

أمّا ولاية الفقيه فتعني أن تكون للفقيه العادل الجامع للشرائط إمكانية التصدي لشؤون الاجتماع السياسي بهدف تطبيق الأطروحة الإسلامية في مختلف مجالات الحياة الاجتماعية، في ما يعرف بالولاية السياسية، حيث لا يكتفي العالم بالدين، العارف بأطروحته، وما تحتوي من رؤى ونظريات، بتبليغ هذه الأطروحة والتعريف بها، بل يبادر إلى تطبيقها في مختلف الميادين، لأجل إقامة الدين وتحقيق مقاصده.

التوجه الذي اعتمدته الحوزة الشيعية، كان وليد ظروف تاريخية استدعت عزل الحوزة نفسها عن الشأن الاجتماعي

السؤال المطروح حاليا هو عن العلاقة بين المرجعية، بمعناها التقليدي، وولاية الفقيه، أو بين المرجع والوليّ الفقيه، فقبل انتصار الثورة في إيران وقيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، لم يكن التوجه الموجود لدى بعض المراجع في قم ميالا إلى الاصطدام بنظام الشاه والسعي إلى إسقاطه، وإنّما العمل على تطبيق بنود دستور 1906، الذي أيده العديد من الفقهاء، حيث نصت المادة الثانية منه على تشكيل لجنة تضم مجموعة من الفقهاء يكون لها حق مناقشة أي مشروع قانون وردّه، إذا ما وجدت فيه مخالفة للشريعة الإسلامية، حيث صرح بعض مراجع الدين في بدايات الثورة بمطلوبية العمل على تطبيق بنود الدستور وتحديدا المادة الثانية منه.

من الواضح أن المتغيرات والتطورات الاجتماعية تفرض نفسها على مجمل الشرائح الاجتماعية، والمرجعية الإسلامية الشيعية ليست أمرا خارجا عن هذه القاعدة، بمعنى أنها تتفاعل مع ذلك التطور الاجتماعي، وتسعى إلى التكيف معه، والتعامل مع مختلف مستجداته، بما يسمح بتحقيق الأهداف المناطة بتلك المرجعية بشكل أفضل.

لقد أثبتت المرجعية في محطات تاريخية عديدة أنها قادرة، إذا ما أرادت، على إدراك اللحظة التاريخية واستيعاب الظرف الاجتماعي وتحديد كيفية التعامل معه. وقد ذكرنا بعض النماذج التي أظهرت قوة المرجعية في الاجتماع الديني، وأيضا قدرتها على الإحاطة بالظروف الاجتماعية والسياسية وتشخيص كيفية التعامل معها.

ما ذكر من قدرة على استيعاب الظروف الاجتماعية وكيفية التعامل معها مرتبط إلى حدّ بعيد بشخصية المرجع نفسها، بمعنى أنه عندما تكون شخصية المرجع العلمية وغير العلمية بتلك المواصفات والميزات، التي تساعده على حسن الإحاطة بالظروف الاجتماعية وتشخيص كيفية التعامل معها، فإن المرجعية ستكون عندها قادرة على خوض المعترك الاجتماعي، وإلا فإنها إذا لم تكن بتلك المواصفات والميزات فسوف تفقد تلك القدرة أو شيئاً منها. إن الحوزة العلمية والمرجعية تحديدا، وعلى مدى قرون، مارست نوعا من الابتعاد عن المجتمع، واعتكفت عن تولي كل ما يرتبط بالشأن الاجتماعي العام، وتحديدا السياسي منه، وصرفت اهتمامها إلى قضايا التعليم والتربية والدعوة.

التوجه الذي اعتمدته الحوزة الإسلامية الشيعية، وعلى رأسها المرجعية، كان وليد ظروف تاريخية سابقة، استدعت عزل الحوزة الإسلامية الشيعية نفسها عن الشأن الاجتماعي العام، في محاولة منها لحماية نفسها من المتغيرات السياسية ومخاطرها.

ولاية الفقيه معنية أساسا بالشأن الاجتماعي والسياسي، لكنها وجدت نفسها ملزمة بتطوير آلياتها وبناها المؤسسية، بما يسمح لها بمواكبة المتغيرات الاجتماعية

ولاية الفقيه معنية أساسا بالشأن الاجتماعي والسياسي، لكنها وجدت نفسها ملزمة بتطوير آلياتها وبناها المؤسسية، بما يسمح لها بمواكبة المتغيرات الاجتماعية، ويمنحها القدرة على التعامل معها، وعلى تحديد الموقف من مختلف قضايا الشأن الاجتماعي العام، بما فيه السياسي، وهو ما أدى إلى أن يصل النضج المؤسسي لولاية الفقيه إلى مستويات أكثر عصرية وأكثر تطورا، بما يجعلها أكثر قدرة على التعامل مع التعقيدات الاجتماعية، والواقع الاجتماعي.

نستطيع إدراك لماذا عمل النظام الإسلامي في إيران على ألا تكون المرجعية بعيدة عن ولاية الفقيه، ولماذا سعى العديد من المفكّرين والمثقّفين الإسلاميين إلى التنظير للجمع بين الولاية والمرجعية، إذ أن المحاذير التي تعرضنا لها تعد في نظرهم كافية لتبرير الجمع الذي عمل على خطين لتحقيقه، الأول يتضمن العمل على تأكيد مرجعية ولي الأمر وتوسعتها في الاجتماع الديني، والثاني يتضمن معالجات نظرية وفقهية، منها ما يذهب إلى إعادة تقديم مفهوم للعلمية يختلف عما هو معتمد في الأوساط الحوزوية عامة، ومنها ما يذهب إلى تأكيد كون المرجعية شأنا اجتماعيا يتضمن قيادة الأمة، ومنها ما يرتبط بتقديم مقاربة مختلفة للشروط التي يجب توفرها في المرجع.

المقال ملخص مِن بحث محمد شُقير “إيران بين المرجعية وولاية الفقيه”، ضمن الكتاب الثاني والخمسين (أبريل 2011) “إيران.. التيارات – ولاية الفقيه – الإصلاح – النفوذ الإقليمي” الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث – دبي
13