حقيقة الخيال الأدبي

الخميس 2016/08/11

يبدو عنوان هذا المقال متناقضا إلى حد واضح حين نجمع مفردتَي الحقيقة والخيال، فكلاهما يمثلان سهمين متعاكسين في الوصفة العلاجية الثقافية بشكل عام وكلاهما يفترقان مع الواقع مع أنهما يعودان إليه بالنتيجة.

الحقيقة، مفردة واقعية نشير إليها بموصوفات واضحة وهي مفردة واقع محض ولا يمكن أن تكون غير ذلك، والخيال مفردة ربما تكون شبحية أو إيهامية أو مختلَقة أو تصويرية عابرة للواقع، وهي استدراك لما قبل أو بعد الواقع في استقدامها للصورة المطلوبة تحت تأثير الكتابة، لكن الفن والإبداع يجعلان منها مفردة واقع أيضا بتقنيات أسلوبية متعددة واشتغالات إجرائية خارجة عن نطاق المألوف في التعبير والتصوير، في حين لا يمكن أن يكون الواقع المحض خيالا إلا بقوة نكبته الشخصية وعدم استيعاب أحداثه فقد تكون خارج منظومة التصور العقلي في إدراكاته الطبيعية العامة كما يحدث في المجازر البشرية في الحروب وزلازل الطبيعة وثوراتها المفاجئة.

في الأدب يميل الشعر والسرد معا إلى منظومة خيال واسعة النطاق، فالشعر خيال لغة والرواية خيال أحداث وكلاهما يبتعدان عن الواقع بمقدار معين ثم يعودان إليه بحصيلة خيالية قد تكون إيهامية وشبحية وغير واقعية في تفسيرنا للواقع المحض من حيث هو مجموعة أحداث مكشوفة.

في العقل يكمن الخيال وينشط ويتوالد في حقيقته الفنية الإبداعية. وفي الواقع تكمن الحقيقة المجردة أمام الكتابة. وكلا الحالتين إثراء للكاتب والكتابة مع أن الخيال العقلي عابر لصورة الواقع، وقادر على أن يرسم صورته بطريقة أخرى لا تشبه ما حدث أو حصل كما هو، بل بتنقيته خياليا وتشظية حالاته إلى وحدات صغيرة وعناصر أصغر ليكون موازيا إلى أصل الواقع.

لماذا نلجأ إلى الخيال في كتاباتنا السردية على وجه الخصوص مع أن السرد الروائي- مثلا- نَفَسَهُ طويل جدا بعكس اللقطة الشعرية وهي تستعير خيالها من اللغة وتجنح بها في تجليات ثانية؟

مفكرون وأدباء وفلاسفة ومبدعون وعلماء طالهم الخيال في الكتابة ووضعهم في سحرياتها وعجائبياتها مكانا وزمانا في الخيال الروائي والقصصي والشعري والعلمي والمسرحي والتاريخي والأسطوري والميتافيزيقي والسحري والثقافي بحاضنته العامة وتفريعاته المختلفة ومسمياته الإبداعية المتعددة.

الإحساس بالخيال هو إحساس بصورة تنشأ في عقل اللغة قبل أن تنشأ في “عقل” الواقع، وتكوين الصورة الجديدة هو استخلاص لذاكرة تحتفظ بالكثير من الصور المطمورة في الذات الإبداعية، وما بين إنشاء صورة جديدة موازية أو حتى بعيدة عن الواقع وبين تفكيك أرشيف لذاكرة قديمة يستخلص الكاتب خيالَ الكتابة لغة من صورة عقلية متكونة قبل اللغة، فاللغة لاحقة للصورة، لكن لا يمكن استخلاص الصورة إلا عبر اللغة في خيالها المثري للكاتب.

في واقعيته السحرية عمل ماركيز على استقطاب الصور الاجتماعية من ذاكرة وعقل مؤسس للواقعة قبل أن تتطوع اللغة لتفتح وقائع الصور وتنشئ علاقة سحرية وغرائبية معها في ترسيم الواقع الكولومبي من هذه العلاقة غير الواقعية، لكنها كمحصلة فنية كانت مدهشة وفاعلة في تنشيط الخيال القارئ، أي انتقلت من خيال اللغة إلى خيال القراءة؛ وعلى عكسه تماماً في السرد العربي بقي نجيب محفوظ أميناً للواقع الاجتماعي ومعتمداً على الرسم المدرسي له من دون أن يكون الخيال حافزا لهجرة اللغة من الحارات المصرية إلى حارات الذاكرة اللغوية التي بإمكانها توليد الأفكار من دون الرجوع إلى محفظة الواقع وصندوقه المفتوح المعروف.

يلجأ الكاتب إلى الخيال بعد استمكانه لذاكرة ولغة في استقدام عقل قادر على التحليق بالواقع وإرهاصاته ومن ثم استعادته بصيغة مطهّرة، مكثَّفا لا يشبهه من حيث كيانه الأول. الخيال عقل نادر.

كاتب من العراق

14