حق الجمهور المصري في المعلومة مقيد بفزاعة تهديد الأمن القومي

مسألة تهديد الأمن القومي باتت من الاتهامات الحاضرة الموجهة لوسائل الإعلام المصرية مع كل أزمة تؤرق الحكومة، وتحول المصطلح إلى أداة لممارسة المزيد من التقييد للصحافة والإعلام.
الثلاثاء 2018/12/11
القضاء بالمرصاد

القاهرة- أفضت السخرية من جواز السفر المصري على شبكات إخبارية ومواقع التواصل الاجتماعي، إلى تزايد الحديث عن مفهوم الأمن القومي والتهديدات التي تواجهه وكيفية تعريفه وفهم علاقته بالإعلام وقضاياه المعاصرة.

وتحولت قضية موقع “فصلة” الذي نشر مؤخرا تقريرا حول جواز السفر المصري أمام جوازات سفر دول أخرى، بسبب قلة البلاد المسموح دخولها دون تصريح “فيزا”، إلى قضية جماهيرية في مصر.

واعتبر البعض، ومنهم أعضاء في البرلمان أن التقرير إهانة للدولة، وهو ما اتبعته الهيئة الوطنية للإعلام والمجلس الأعلى للإعلام، بوقف الموقع والتحقيق مع المسؤولين عنه بذريعة أنه يهدد الأمن القومي.

والربط بين التناول الإعلامي للبعض من القضايا بمسألة الأمن القومي أحد الأمور الأكثر سجالية في العالم، مع تعارض حرية الصحافة مع ما يمس الأمن القومي في الكثير من الدول، التي يرى فيها البعض ضرورة تحييد الإعلام وإبعاده عنها.

وتكمن الأزمة في استخدام مصطلح الأمن القومي أحيانا كحجة لوقف إصدار أو بث وسيلة إعلامية أو توصيف ما يتم نشره حيال انتقاد بعض المسؤولين أو التطرق لقضايا في عداد انتهاك خصوصية الدولة وإفشاء أسرار حساسة.

وتبقى نقاط محورية عدة يختلف فيها العلماء والخبراء، فإذا كان من المفترض ضبط حرية الإعلام في أوقات وأزمنة معينة، مثل الحروب والقلاقل والثورات وغيرها، إلا أن السؤال المهم هنا هل التلاعب بالحقائق خطوة صحيحة ومطلوبة؟ ومن المسؤول عن تحديد ما يندرج أسفل ما يضر بالأمن القومي؟ وما هو المتاح لتناقله بين الجمهور، حتى لا تتحول المسألة إلى أداة قمعية، مثلما رآها البعض في قضية جواز السفر المصري؟

السيطرة على الإعلام المصري والعصـف بمؤسسـاته بذريعـة حماية الأمن القومي أحد أخطر الملفات المبهمة

وأسفر الجدل بين المؤيدين والمعارضين عن ظهور مصطلح أكاديمي عرف باسم “الإعلام الأمني” في نهاية السبعينات، في محاولة حثيثة من علماء الإعلام والسياسة للوصول إلى شكل للعلاقة بما لا يخل بالأمن ولا يقمع وسائل الإعلام المختلفة.

ويقول أسامة سعد أستاذ الإعلام بجامعة البريطانية في القاهرة، إن السيطرة على الإعلام في مصر والعصف بمؤسساته بذريعة حماية الأمن القومي، أحد أخطر الملفات المبهمة، لأنه يدخل فيها الكثير من التلاعب والتخبط، كما أن هناك مواقف مصرية كثيرة شهدت على ذلك التلاعب، أشهرها ما بثته إذاعة صوت العرب المصرية خلال هزيمة يونيو 1967 عندما أوهمت العامة، على لسان أحمد سعيد، بهزيمة إسرائيلية ليجد المواطن نفسه أمام هزيمة حاسمة لمصر بعد ستة أيام.

ويضيف لـ”العرب” أن الإعلام المصري استخدم كثيرا لتشويه معارضي الحكومة والإساءة إلى مشاهد شكلت حراكا سياسيا مجتمعيا باسم حماية الأمن العام، مثل انتفاضة الخبز في عهد الرئيس الراحل أنور السادات في يناير 1977، والتي أجبر الإعلام على وصفها بـ”انتفاضة الحرامية” وبث رسائل للتوعية بضرورة عدم الانصياع إلى المحرضين عليها بدعوة حماية أمن البلاد.

ويربط البعض من المراقبين بين ما تعيشه مصر الآن من تضييق يصل إلى حد التأميم على جميع وسائل الإعلام وتحييدها عن مهاجمة الحكومة وعدم إتاحة أي مساحة للمعارضة، وبين استخدام شبح تهديد الأمن القومي لردع كل من تسول له نفسه التفكير في مناقشة الكثير من القضايا.

واستخدمت ملفات ساخنة مثل مكافحة الإرهاب وزعزعة الاستقرار والفتنة الطائفية وتهديد الأمن، كقضايا يجب التعامل معها إعلاميا من وجهة نظر الحكومة، التي حولتها إلى ما يشبه الفزاعة لمعارضيها، ومع مرور الوقت أصبحت جميع القضايا التي تتطرق إلى أخطاء الحكومة، من الملفات الحساسة التي تحتاج إلى تدقيق من قبل جهات أمنية.

وتحولت حماية الأمن القومي إلى عصا تضرب كل من يمارس شكلا من أشكال الصحافة أو الإعلام الحقيقي الجاد.

ويوضح حازم البنا أستاذ الإعلام بجامعة المنصورة) أن الإعلام عليه مسؤولية في مساعدة مؤسسات الدولة في حماية أمنها عبر زيادة حجم التنسيق بين الأجهزة الأمنية ووسائل الإعلام في مجال وضع استراتيجيات الأمن القومي لمواجهة الدعاية المضادة.

ويشير في تصريحات لـ”العرب” إلى أن الكثير من الدول، ومنها مصر، أمامها تحديات صعبة بشأن مواجهة الكم الكبير من الشائعات والأخبار الكاذبة التي لا تهدف لإثارة البلبلة واستهداف سلامة الدولة.

وشدد على أن وجود إعلام واع يحمي الدولة ويتصدى لمحاولات زعزعة الاستقرار، في عصر مليء بالفتن والخصوم المتربصين، ويؤدي استخدام عقوبات رادعة ضد بعض المؤسسات الإعلامية إلى الحد من التمادي في أخطاء تضر بالمجتمع.

18