حق المقاومة وباطل التسييس والأسلمة

الثلاثاء 2017/05/30
حماس تروّج لنفسها كحركة مقاومة لكن أطماعها بإقامة إمارة إسلامية كشفتها

يكاد مصطلح المقاومة أن يكون من أكثر المصطلحات الذي التصقت به الدلالات ونقائضها. مصطلح يحتوي أكثر المفاهيم نبلا، إذ يحيل على شرف الذود والدفاع عن الحق حين يسلب، ويحيل أيضا على أن المقاومة يمكن أن تكون موضوع توظيف مزايدة حين يرادُ بحق المقاومة باطل التسييس والتطييف والأسلمة.

المقاومة اتصلت في الفضاء العربي بفلسطين تحديدا. وكان المصطلح طيلة عقود يمثل التوق إلى استرداد الأراضي المحتلة، وتحول الفعل المقاومُ إلى منطقة إجماع عربية قلّ نظيرها، حيث كان يحظى بدعم شعبي وسياسي وفكري يأبى “الصلح والاعتراف والتفاوض”. الإجماع العربي فتح ذراعيه لكل أشكال المقاومة، فنية وسياسية وميدانية عسكرية، ودعمها بل ووفّر لها ما كان بوسعه وأكثر من الاستطاعة في أحيان كثيرة. لكنّ مياها كثيرة جرت وغيّرت النظر إلى الفعل وإلى الفاعلين الذين أسبغوا على أنفسهم صفة المقاومة، بل صادروا الممارسة والاسم.

الانحراف بالفعل النبيل، وهجرة المفهوم من المشروعية المُجمَع عليها عربيا، إلى التوجس الذي أضحى يحيل إليه اللفظ والمصطلح، بدآ من النظرة إلى الصراع وطبيعته. حين يُنظر إلى الصراع العربي الصهيوني (كان ذلك أيضا توصيفا اتصل بمرحلة معينة) ثم الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، على أنه صراع ديني يحتاج إلى أدوات وعتادا دينيين، فإن الاستتباع يكون خطيرا على القضية وتاليا على الدعم والمساندة والتبني.

تديين الصراع أدى إلى إنتاج أشكال مقاومة “تليق” بتلك الطبيعة القاصرة، وإذا كان الصراع على أرض فلسطين دينيّا، فإن ذلك يعني أولا النظر إلى مسيحيي فلسطين ويهودييها (على أصالتهم وعراقة وجودهم) على أنهم طارئون على الأرض وعلى المشهد. ويعني أيضا أن النضال سيكون دينيا وطائفيا ومذهبيا، ويعني كذلك إنتاج معارك فرعية ضد أعداء يتم اختراعهم وفق هذه الوصفة.

سجلّ حركة حماس وحزب الله وغيرهما من التيارات الدينية “الفاعلة” في القضية الفلسطينية والتي نشأت بهدف المقاومة النبيل (أو هكذا أعلنت) يقيم الدليل على أن مسار المقاومة بتلك الصيغة لن يكون طويلا، لأن المقاومة التي تتشكل وفق تلك المنطلقات لا تمتلك النفس الطويل لمواصلة جهد يفترض أن يكون استراتيجيا، لأن الحركات الدينية بطبيعتها لن تكون قادرة على إدارة معركة وطنية بأدوات طائفية. المعركة الوطنية تخاض بأدوات من نفس الجنس، أي بأدوات وطنية مدنية، وهو ما يعوز حزب الله وحركة حماس وبقية الحركات.

ضلوع حماس الإخوانية (وإن تبرّأت) في المعارك الفرعية، وولوج حزب الله الشيعي الإيراني في معاركه الفرعية الطائفية، مع تشبثهما بعنوان المقاومة، حوّلا الفعل والممارسة إلى فعل “ممجوج” وكاذب لدى فئات واسعة من المساندين للقضية الفلسطينية، لكن “التناص” الذي حصل بين المقاومة وحزب الله أو حماس هل يعني موقفا من الحركتين أم هو موقف من المقاومة بشكل عام؟

الثابت أن التذمّر العربي ينبع من الإحالة لا من الفعل المشروع، والدليل أن أكثر الرافضين لعربدة حزب الله ولمزايدات حماس لا يجادلون في مساندتهم للقضية الفلسطينية. المشكلة إذن هي في رفض من يصادر الحق ويخوصصه ويزايد به على غيره ويبتزّ به الجميع، وليست في الحق ذاته.

التغيرات الحاصلة في العالم، وفي المنطقة العربية، بما اجتاحها من أحداث خاصة من نهاية العام 2010، والتي مثلت بدايات أعراض صداع على بقاع مختلفة من الجسم العربي، حوّلت الأنظار عن القضية الفلسطينية، إضافة إلى أن تلك الحركات “المقاومة” لم تتأخر في أن تزيد المشهد العربي ارتباكا، حزب الله في سوريا ولبنان، وحماس بإصرارها على تحويل غزة إمارة إسلامية وبمواظبتها على كل ما من شأنه تقويض كل أمل في مصالحة فلسطينية تخرج بالفعل الوطني الفلسطيني من سباته. هذه العوامل حولت “المقاومة” إلى مرادف للتوظيف، وحولت “الممانعة” إلى اختصار لحضور العلم الإيراني في العالم العربي. حزب الله وحماس وغيرهما حركات تقاوم بدق الأسافين الطائفية في الأقطار العربية، وإيران “تمانع″ في العالم العربي وتستدعي أعداءها إلى الميادين العربية.

على أن كل ذلك لا يحول دون طرح السؤال؛ هل إن كل ما تقدم يعني أن ندير الظهر عن القضية الفلسطينية، ونعتبرها قضية محسومة أو مؤجلة؟ و”إذا كنا مدافعين فاشلين عن القضية، هل يجدر أن نغير المدافعين أم أن نغير القضية؟”. كل الحركات التي حولت فعل المقاومة إلى منطوق طائفي أو إسلامي هي من صنف “المدافعين الفاشلين عن القضية”، ولا شك أن أولى خطوات استرجاع المقاومة إلى حقلها الدلالي الحقيقي يبدأ من إرساء ثقافة مقاومة وطنية وديمقراطية، تقرأ الصراع في تعريفاته الوطنية الحقوقية بعيدا عن الانزياحات الدينية.

اقرأ أيضا

المقاومة باقية مع تعديل الأدوات

خطايا المقاومة والشعارات الزائفة

12