حق "محفوظ" وكرم "كويلو" !

صحيح أن مفهوم المصلحة العامة والتعويض العادل مطّاطان إلى حدّ يسمح بالركض داخلهما، إلا أنهما كذلك يتمتعان بمساحة جيدة من التوافق.
الأحد 2018/03/25
كويلو: الأفكار لا بد وأن تنساب بحرية وتتدفق بسلاسة

منذ عدة سنوات اهتم الإعلام العربي والعالمي بمبادرة الروائي البرازيلي الأشهر باولو كويلو الجريئة، حين قام بنفسه بنشر أعماله على شبكة الإنترنت لتصبح متاحة لمن أراد، مصرحا وقتها بـ”أن الأفكار لا بد وأن تنساب بحرية وتتدفق بسلاسة”، معلنا تعاطفه مع القراء في الدول والأماكن التي يصعب عليهم فيها الوصول إلى كتبه.

قفز هذا الموقف الدراماتيكي إلى ذهني بينما كنت أتابع أصداء الدعوة التي أثيرت مؤخرا في مصر تطالب الدولة بسحب أعمال الروائي المصري الأشهر نجيب محفوظ من ناشرها بدعوى أنه يحتكرها ولا يوفرها بالشكل والسعر المناسبين!

للوهلة الأولى تبدو المقارنة بين موقفي كويلو ومحفوظ غير عادلة، بل حتى غير منطقية؛ فالأول تصرّف في أعماله بنفسه وهو على قيد الحياة، بينما غيّب الموتُ الآخر بعد ثلاثة عشر عاما تقريبا من تنازله عن حقوق إنتاجه الأدبي لناشره بمبلغ أظنه أراد أن يحفظ به كرامة عيشه في سنواته الأخيرة.

ومن ناحية أخرى فإن كويلو لا بد وأنه أتاح فقط الأعمال التي انتهت فترة تنازله عن حقوق ملكيتها لصالح ناشر أو أكثر، لأنه يقع تحت طائلة القانون إن فعل عكس ذلك.

وسوف تبدو المقارنة عبثية، إذا استحضرنا الفروق الحضارية بين المجتمعات التي ينتمي إليها الكاتبان، فالبرازيل التي ينتمي إليها كويلو تنتمي إلى قائمة الدول الصناعية الجديدة؛ بينما مصر من دول العالم العصية على أي تصنيف حضاري معاصر. كما أن كويلو يعيش منذ سنين في غرب أوروبا، في واحدة من أهم تجارب الديمقراطية والحرية والتعددية التي شهدها العالم، تسمى سويسرا.

إنها مقارنة إذن بين كيانين حضاريين، في الأول يتمتع الأشخاص بمطلق الحرية في التفكير خارج حدود حرياتهم الشخصية معتقدين أحقيتهم في ذلك بدعوى الصالح العام، بينما في النموذج الثاني لن يسمح طفل لجاره بمجرد التفكير في أمر يحمل شبهة المطالبة بنزع ملكية خاصة من صاحبها.

هناك بند يتكرر في كافة دساتير العالم –تقريبا- سواء الدول التي تعمل بتلك الدساتير أو التي تحتفظ بها لمجرد استكمال المشهد. وهو أن “الدولة تكفل الملكية الخاصة وحرمتها، ولا يُنزع من أحد ملكه إلا للمصلحة العامة، ولقاء تعويض عادل”. وصحيح أن مفهوم المصلحة العامة والتعويض العادل مطّاطان إلى حدّ يسمح بالركض داخلهما، إلا أنهما كذلك يتمتعان بمساحة جيدة من التوافق تسمح بالتفرقة بين نزع ملكية أرض لصالح طريق حيوي مثلا، وبين نزع ملكية كتاب من كاتبه أو ناشره لمجرد أن قارئا لم يعثر عليه في منافذ التوزيع!

يمكننا تفهّم الدافع النبيل وراء تحريش الدولة المصرية على ناشر أعمال أبرز روائييها. ولكن هذا الدافع النبيل يمكن تحقيقه بأساليب كثيرة منطقية؛ كأن تشتري وزارة الثقافة حقوق طبعات شعبية لمدد محددة، أو أن تدعم وزارات معنية كالتربية والتعليم والتعليم العالي والبحث العلمي، طبعات مخصصة للطلاب والباحثين. أو تساهم بعض الوزارات في إصدار طبعات مشتركة من أعمال هذا الكاتب. ويمكن كذلك إشراك المجتمع المدني بفتح باب التبرع من رجال الأعمال لدعم إصدار “كوبونات خصم” يتم توزيعها على رواد معارض الكتب والمكتبات، مخصصة لأعمال محفوظ أو غيره من الكتاب الذين ترى الدولة في انتشار أعمالهم بين شرائح الشعب مصلحة عامة! هناك الكثير من الأفكار الصالحة للتداول والتطبيق، طالما أن الهدف “العنب” وليس “قتل الناطور” على رأي المثل الشعبي الشامي الشهير.

بالعودة إلى نموذج كويلو الذي اخترته للمقارنة، هناك ملاحظتان خارج كل سياق؛ الأولى ما أوردته جريدة نيويورك تايمز من أن توفير كويلو لنسخ إلكترونية من أعماله لم يؤثر -على الإطلاق- على حجم مبيعاته من الكتب، بل ساعد في أن تكون مبيعات كتبه بعشرات الملايين من النسخ!

الملاحظة الأخرى والأهم أن كويلو الكريم لم يفعل ذلك إلا بعد أن بات الأمر مجرد تسالي أثرياء. فكويلو –أيها المدافعون عن الثقافة- هو الكاتب الوحيد في “نادي الأثرياء” ضمن قائمة الـ300 التي تنشرها مجلة “بيلانز” المالية السويسرية. وهو –حسب المجلة- لم يدخل النادي إلا بعد أن باع أكثر من 200 مليون نسخة من كتبه.

علينا أن ننتظر طويلا قبل أن نطالب محفوظ رحمه الله وورثته بالتنازل عن حقوق ملكيتهم.

10