حكاء القرية وفقيهها يجمع النقاد في ذكرى رحيله

حظي العديد من الأعمال الإبداعية (رواية – شعر – قصة..) باهتمام الباحثين والدارسين والنقاد، وتأرجحت الآراء حول هذا الاسم أو ذاك. وهي آراء ومواقف تراوح عادة بين متهجّم ورافض وبين مؤيد ومساند، لكن الجامع بينها يبقى معيار النقد الموضوعي البعيد عن التجاذبات والتوجهات الفكرية والتيارات السياسية، ويعود الاهتمام ببعض الكتابات والأسماء إلى مكانة المبدع وما ينتجه، وهو من علامات الكاتب المتميز الذي يقف واثقا أمام المناهج النقدية على اختلافها وتعدّدها وأيضا تناقضها.
الجمعة 2016/05/20
الذاكرة لا تنسى الإبداع

يتضمن كتاب “سليمان فياض وسحر السرد”، للكاتبة سمر إبراهيم، مجموعة كبيرة من الدراسات النقدية والمقالات التي تتناول إبداع الراحل سليمان فياض من كافة جوانبه منذ العام 1961 وحتى العام 2015.

ويستقي الكتاب مادته الأساسية من كتاب سابق بعنوان “تحت شمس الكتابة دراسات وشهادات في سليمان فياض”، وهو من إعداد مؤلفة الكتاب الجديد أيضا، لكنها أضافت له العديد من الدراسات الجديدة التي عثرت عليها وفي بعض منها دراسات لم تُنشر من قبل في أي مطبوعة.

واعتمدت المؤلفة أثناء إعداد الكتاب على خطة معينة، جعلتها تستثني من الكتاب المقالات التي هي أشبه بالعروض الصحافية أو الأخبار عن كتبه، وكذلك استثنت المقالات والشهادات أو البورتريهات عن سليمان فيّاض الإنسان، ومن ثمّ اقتصر الكتاب على المقالات التي خُصِّصت لعمل من أعمال سليمان فيّاض.

كما اتخذت سمر إبراهيم في عملها الجديد، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب منهجَ الانتخاب في المقالات التي اختارتها، فراعت عدم التكرار، أما إذا كان للناقد أو الباحث أكثر من عمل أو مقال تقول “نختار الأحدث والأكثر عمقا”. ومن منهجها أيضا أنها رتبّت المقالات داخل الفصول ترتيبا زمنيّا يبدأ من الأحدث من حيث تاريخ النشر وينتقل تدريجيّا حتى ينتهي بنا لأوّل مقال نشر في الكتاب عن العمل الإبداعي لسليمان فياض، وقد حرصت مُعدِّة الكتاب على ذكر بيانات المقال: الاسم، المؤلف، مكان النشر وتاريخه في بداية المقال حتى تتسنى للقارئ القراءة في ضوء تلك البيانات.

المقالات والدراسات تشمل أيضا النقاد العرب الذين وجدوا في إبداع الرجل مادة خصبة يطبقون عليها أدواتهم النقدية

سحر السرد

يحوي الكتاب، الصادر بمناسبة الذكرى الأولى لرحيل سليمان فياض (1929ـ2015)، بين دفتيه مقالات ودراسات مُتعدّدة عن أعمال سُليمان فيّاض، تصل إلى خمسين مقالة لنُقاد من مختلفي الاتجاهات والأعمار، ولا تقتصر المقالات والدراسات على النقاد المصريين، بل تشمل أيضا النقاد العرب، الذين وجدوا في إبداع الرّجل مادة خصبة يُطبِّقُون عليها أدواتهم النقديّة كما فعل غالب هلسا وأيضا زكريا تامر وشمس الدين موسى.

وما تميّز به سليمان فياض عن غيره من المبدعين، هو تنوُّع أعماله ما بين أعمال إبداعيّة (رواية ـ قصة ـ قصص ناشئة) وكتابات فكرية، مثل كتابه عن الوجه الآخر للخلافة الإسلاميَّة، وكتاب أئمة الإسلام الأربعة، وإبداعات أخرى مثل البورتريهات واللوحات القلميّة. وهو ما وسّع دائرة القراءة لتقدَّم صورة متنوِّعة عن الرجل ليست مقتصرة على الإبداع الروائي أو القصصي، وإنما تشمل كافة أنواع الإبداع والفكر.

ولا تنبعُ أهمية كتاب “سحر السّرد” من أنّه يحوي كافة المقالات التي كتبتْ عن أعمال الرّاحل سليمان فيّاض على مدار خمسين سنة فقط، بل يكشف في أحد جوانبه المهمة عن عوالم سليمان فياض المتعدِّدة في القصّة والرِّواية، وسير الناشئة، والفكر، واللغة، وكيف تتشابك كتاباته مع واقعنا الآن؟ وتدلي بقولها في قضايا معاصرة مازالت تحتاج لوقفة، ومن أبرزها: التخلّف، الجهل، الخلافة الإسلاميّة، الفتوى.. إلخ، كما تقول سمر إبراهيم في مقدمة الكتاب.

ومن جهة ثانية يقدِّم الكتاب صورة أخرى عن شخصية الكاتب من خلال علاقاته برفاق جيله، والأجيال التالية، وتطوّر فن القصِّ لديهم. أما النقطة المهمة التي يشتغل عليها الكتاب والتي يجب أن تكون مجالا لدراسات مستقبلية فهي رصد حركة النقد العربي خلال مسيرة خمسين عاما، فالكتاب يجمع بين دفتيه مقالات لأساطين النقد في مصر والعالم العربي، بالإضافة إلى أن الكثير من النقاد كتبوا مقالات عن أعمال الكاتب في مراحل زمنية مختلفة، وهو ما يكشف عن تطور رؤى النقّاد وتغيّر مواقف الكثير منهم، وتبدُّل بعض المناهج التي كانوا متمسكين بها في فترة من سني عمرهم المختلفة، ثم هجروها إلى مناهج أخرى.

كتاب يكشف عوالم سليمان فياض

المارق والمتنور

جاء كتاب “سليمان فياض وسحر السرد” في ثلاثة أقسام يضم كلّ قِسم مجموعة من الفصول، القسم الأول عن روايات سليمان فيّاض وشملت القراءات والدراسات النقدية لروايات أصوات، والقرين، وأيام مجاور، والقسم الثاني قسمته المؤلفة على المجموعات القصصية التي شملت قراءات في أعمال: عطشان يا صبايا، وأحزان حزيران، والعيون ووفاة عامل مطبعة، والذئبة، وذات العيون العسليّة، والشّرنقة، ويعد هذا القسم من أكبر الأقسام حيث اشتملَّ على ستة فصول. وأما القسم الأخير فاحتوى على قراءات في إبداعات أخرى من أعمال سليمان فياض، كتابة البورتريهات واللوحات القلمية، وأدب الطفل، والكتب الفكرية، ومقالات عامة عن الراحل ومسيرته الحياتية والإبداعيّة، كما في مقالات شعبان يوسف وإدوار الخراط ومحمود أمين العالم.

وتشير الكاتبة في مقدمتها إلى علاقة فياض بجماعة الإسلام السّياسي، وكيف أنه بكتاباته أزعجهم وهو ما جعلهم لا يبخلون عليه بمنحه ألقابا عديدة تظهر موقفهم العدائي منه مثل: الأزهري المارق، والأزهري المتأسلم، والأزهري الذي خلع العمامة، وعلى الجانب المقابل كانت هناك ألقاب تُثمِّنُ مواقفه مثل، الأزهري المتنوِّر والفقيه الحكاّء.

وصدّرت سمر إبراهيم كتابها بسيرة ذاتية مختصرة للمؤلف، وهي كانت أشبه ببطاقة تعرف به وبالوظائف التي شغلها واللجان التي انتسب لعضويتها، وبأعماله وتواريخ صدورها وأيضا بالجوائز التي حصل عليها، والتي من أهمها جائزة الدولة التشجيعية عام 1970، وجائزة سلطان العويس عام 1994، وجائزة الدولة التقديرية عام 2002.

كما تختم المؤلفة بيبلوغرافيا حاوية لكل ما كتب عنه من مقالات، وهي مرتبة بحسب العام وتبدأ في مايو 1957، وتنتهي بآخر مقالة كتبت عنه في 3 سبتمبر عام 2015 بعنوان “رجل الدين في الأدب المصري”، للكاتب مصطفى بيومي.

14