حكام "المنطقة الخضراء" اغتالوا أحلام الطفولة

التغيير الحقيقي في العراق لا يقتضي فقط تبادل المناصب أو تبديل الوجوه، وإنما تغيير الأفكار، والرؤى والأبجديات والسلوكيات والمفاهيم.
الجمعة 2018/04/20
أطفال العراق فقدوا مرح الطفولة وكبروا قبل الأوان

فقد أطفال العراق مرح الطفولة وكبروا قبل الأوان بسبب المسؤوليات الكثيرة الملقاة على سواعدهم الصغيرة الغضة، بعد أن انشغل عنهم السياسيون ورجال الدين بمحاصصة ثروات البلاد والتهافت على المناصب السياسية.

يا لوجع الطفولة الذي فاض عن طاقة أطفال العراق، وسرق منهم براءتهم وأحلامهم، ولم يترك بداخلهم من الطموحات غير اللهاث اليومي والتفكير المرير في كيفية تدبير لقمة عيشهم وعيش أخوتهم الأصغر منهم، بامتهان الأعمال الشاقة والنبش في القمامة.

أعتقد أن الارقام التي تنقلها المنظمات الأممية عن عدد الأطفال الذين يعانون اليتم والفقر والجوع والتهجير، غير قادرة على التحدث أفضل من الدموع التي كست مقلتي طفل لم يتجاوز السادسة من العمر، تناقلت معاناته مواقع التواصل الاجتماعي في مقطع الفيديو الذي صورته أحدى القنوات العراقية.

دموع هذا الطفل الذي لم يعرف خلال سنوات عمره القليلة أي مرح أو فرح، بل يسكنه الحزن والأسى بسبب رحلة الشقاء التي يقوم بها يوميا، بحثا في القمامة عما يمكن أن يبيعه ليسد رمق إخوته الصغار، أصدق شهادة على أن حكام العراق وأصحاب العمائم قد اغتالوا أحلام الطفولة.

طفل الفيديو بكى وأخته بحرقة وفاضت من كلماتهما المرارة والغصّة، لتكشفا عن جزء من الواقع المرير والمسكوت عنه في العراق، واقع يرغم الساسة العراقيين ورجال الدين على الشعور بالمهانة والعار.

أمام هذا المشهد الذي يدمي القلوب أتساءل: أي إضافة ستقدمها الانتخابات للأطفال المنسيين في المنابر العراقية؟ وأي مستقبل ينتظرهم إذا كانت الوجوه التي تتصدر المشهد السياسي هي نفسها، والطائفية والفساد ما زالا يسيران على نفس الخط المتوازي.

ما قيمة الحديث عن التنمية الاقتصادية في الحملات الانتخابية التي غلبت عليها البرامج الوهمية، إذا لم يكن هناك استثمار في الطفولة؟ فالطفل هو الجوهر الحقيقي للتنمية وأساس رقي المجتمعات وتقدمها.

الدول المتقدمة تستثمر في جميع قواها البشرية وتحاول جاهدة استكشاف طرق جديدة لإيصال أصوات العامة إلى الدوائر الرسمية، والاستفادة من أفكارهم في صنع القرار، بهدف تلبية احتياجات شعوبها وتطلعاتها، فيما يتربع حكام العراق على الكراسي ويتقاسمون ثروات البلاد، أما أحوال الناس فينتظرون أن تصلح من تلقاء نفسها!

يقول نايف الروضان رئيس برنامج العوامل الجيوسياسية وتحديات المستقبل العالمي بمركز جنيف للسياسة الأمنية في كتابه “التاريخ المستدام وكرامة الإنسان”، إن الدفاع عن كرامة الإنسان يعد إحدى الركائز الأساسية لعملية الإصلاح الرامية إلى بناء حكومة مثالية.

ولكن لا يبدو أن كرامة المواطن العراقي المهدورة، تتصدر اهتمامات السياسيين ورجال الدين الذين يصفون المأساة على أنها نجاح والهزيمة على أنها نصر والموت على أنه حياة.

التغيير الحقيقي في العراق لا يقتضي فقط تبادل المناصب أو تبديل الوجوه، وإنما تغيير الأفكار، والرؤى والأبجديات والسلوكيات والمفاهيم، وهذا التغيير يبدو أنه يصعب تحقيقه في العراق تحت سطوة الأحزاب الدينية والميليشيات الطائفية الحاكمة، ولذلك ستبقى طموحات الشعب العراقي الراغب في الانعتاق من ربقة الفقر والجهل معلقة ما لم تتغير العقلية الانتخابية الطائفية.

21