حكام ومشاهير يكتبون الروايات

ارتبطت الرواية في نشأتها بالطبقة البرجوازية حتى عدّها الفيلسوف الماركسي جورج لوكاتش “ملحمة الطبقة البرجوازية”. وربما كان ارتباط الرواية بالثقافة الشعبية والقيم الجمعية للمجتمع الحديث، بحسب بندكت أندرس في كتابه “الجماعات المتخيلة” ما جعل البعض يتخوّف من ارتباط اسمه بها على نحو ما فعل محمد حسين هيكل المحامي وقتها، وكتب “مصري فلاح” بدلاً من اسمه على رواية “زينب” 1913. ثمّ قطعت الرواية شوطًا مهمًّا ومارسها أصحاب مهن مختلفة. فالتقرير الذي كتبه وكيل النائب العام في عشرينات القرن الماضي محمد نور بك، الذي كان قاضيًا في الواقعة الشهيرة لمحاكمة طه حسين، بسبب كتابه “في الشعر الجاهلي” 1926؛ بمثابة قطعة أدبية فريدة. قد لا يكون محمد نور بك وما كتبه استثناءً فريدًا، بل ربما هو من المواهب التي كانت مختفية تحت عباءة العمل الرسمي، ويكفي التدليل بالوزير العاشق ابن زيدون وما كتبه من أشعار في معشوقته الأميرة ولادة بنت المستكفي. في هذا التحقيق الذي تنشره “العرب” نقف عند علاقة الكتابة وخاصة الروائية بأصحاب مهن أخرى مثل المشاهير.
السبت 2017/06/17
السلطة والشهرة حولتا الكثيرين إلى مبدعين (لوحة للفنان انس سلامة)

الكتابة لها دوافعها عند المشاهير، لكن إقدام البعض منهم على كتابة الرواية التي تحتاج إلى وقت لا تسمح به ظروف عملهم هو المثير حقًا.

تنوّعت الكتابات التي ارتبطت بالمشاهير ما بين رسائل أدبية وسير ذاتية ومذكرات وكتابات عن تجاربهم في الحكم، وهناك منهم مَن طرق أبواب الرواية. وقدمت هذه الكتابات على اختلافها صورة أخرى أو جانبًا مجهولاً في شخصيات أصحابها، كان مخفيا وراء أضابير العمل الرسمي، على نحو ما قرأنا في رسائل الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران لعشيقته آن بينجيو، وكما فعل الرئيس السّادات في “البحث عن الذات” والزعيم النازي أودلف هيتلر في “كفاحي”. النوع الآخر من المذكرات كان أشبه بتأملات فكرية وسياحة ثقافية كما هو في كتاب الرئيس البوسني الرّاحل علي عزت بيجوفيتش “الإسلام بين الشرق والغرب”، وغيرهم.

نذكر مثلا آخر الرؤساء الذين دخلوا قائمة الرؤساء الأدباء وهو الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون وفق ما ورد عن داري “نوف دابلداي وهاتشت بوك” للنشر في بيان من أن الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون يعمل مع الكاتب جيمس باترسن على تأليف رواية عنوانها “الرئيس مفقود” ستنشر في يونيو 2018.

بقدر ما أثار خبر صدور الرواية حملة من الاستهجان والترقب، كشف في المقام الأول عن مغازلة الرواية للكثيرين لكتابتها. فهناك مَن اكتسب شهرته من الرواية وليس من وظيفته الأساسية، فصاحب رواية “القارئ” (1995) الألماني برنهارد شلينك في الأصل هو قاضٍ وأستاذ للقانون الدستوري والإداري في كلية الحقوق بجامعة هامبولت، ثم تعددت أعماله الروائية بعدما حقق نجاحًا ملحوظًا بعد روايته الأولى فطغت شهرته كروائي على شهرته كقاض وأستاذ جامعي.

التساؤل المهم، ما الإغراء الذي تُحقُّقه الرواية لعالم المشاهير ليطرقوا أبوابها؟ والسؤال الثاني: هل صارت الرواية بوابة سهلة يُجرِّب فيها مَن يريد رقش الكتابة؟

تأملات فكرية

ضريبة على الكاتب

الغريب حقّا أن هناك مَن يتعرض للانتقاد إلى حدِّ التجريح على نحو ما حدث مع الكاتب عباس محمود العقاد، الذي ذاعت شهرته بكتاباته الإسلامية، والنقدية، لكن في عام 1938 أصدر العقاد روايته الأولى “سارة”، وما إن صدرت الرواية حتى كان الشاغل الأساسي للنقاد هو البحث عن الأسباب التي دفعته إلى أن يدخل عالم الرواية، هناك مَن ذهب إلى أنه ربما أراد أن يُمارس جنسًا أدبيًا جديدًا، وآخرون رأوا أنه يريد أن يُجرِّب الكتابة في كل المجالات. حيرة النقاد كان سببها أن العقاد نفسه كان يهجو الرواية ويُندِّد باحتفاء الشيوعيين بها واعتبارها فنا يُعبِّر عن “الطبقة الدهماء”، ثمّ يتكرّر الهجوم على فن الرواية في معركته مع نجيب محفوظ حول فن الرواية، بعد أن كتب مقالته “الشعر والقصة” في مجلة الرسالة في عددها الصادر في 3 سبتمبر عام 1945 معلقًا على رأي ساقه الأديب محمد قطب في أحد أعداد المجلة حول رأيه في فن القصة، يقول العقاد “كل ما قلناه إذن هو أن الشعر أنفس من القصة، وأن محصول خمسين صفحة من الشعر الرفيع أوفر من محصول هذه الصفحات من القصة الرفيعة”.

لكن العقاد في مقدمة “سارة” يقول إن “رواية سارة كانت في ذهني وكنت قد نويت أن أكتب قصة سارة لأنها تجربة نفسية لا بد أن تكتب في يوم من الأيام وإن كنت قبل كتابتها قد أرجأتها من حين إلى حين مُتخيرًا الوقت مُلاحظًا ما تقتضيه دواعي التفصيل والإجمال”. ثم يعود مرة ثانية ويسخر ممن كانوا يبحثون عن أسباب كتابته للرواية فيقول في تقديمه للطبعة الثانية للرواية “كتبت هذه القصة -فيما زعم بعضهم- لغير شيء إلا أنني أردت أن أُجرِّب قلمي في القصة.. لهذا السبب وحده كتبت ‘سارة‘. وهو سبب قد يصح أو يكون له نصيب من الصحة لو أنني اعتقدت أن القصة ضريبة على كل كاتب”. ثم يقول “ولست أعتقد شيئا من ذلك، فإن القصة عندي لا تعدو أن تكون بابا من أبواب الكتابة الأدبية ليست بأشرفها”.

الكاتب الخفي

أكّد الرئيس جمال عبدالناصر في أكثر من مرّة على تأثره الكبير برواية “عودة الروح” لتوفيق الحكيم، إلا أن الواقع يقول إن ثمة جانبًا أدبيًّا مغمورًا في حياة الرئيس جمال عبدالناصر فكان يكتب مقالات في مجلة المدرسة الثانوية وأوّل مقال له كان بعنوان “فولتير، رجل الحرية” وهو في سن السادسة عشرة من عمره، إضافة إلى مقالاته في الصحف. وهناك كتب من نوعية “فلسفة الثورة، ويوميات حرب فلسطين 1948”.

هذه الملكة الأدبية أثمرت رواية كتبها عام 1934 لم تكتمل بعنوان “في سبيل الحرية” تناولت أحداثها صمود أهل رشيد ومقاومتهم، عندما تصدوا للحملة الإنكليزية بقيادة فريزر 1807، وألحقوا بها هزيمة مُنكرة ثم مقدمات الحملة الفرنسية وبعدها الاحتلال البريطاني. ونظرًا إلى أن الرئيس لم يكملها فقد كتب ستة فصول منها، وأجرت وزارة الثقافة عام 1958 مسابقة لاستكمالها، وفاز بها الكاتبان عبدالرحمن فهمي وعبدالرحيم عجاج.

أدولف هتلر ومعمر القذافي وصدام حسين وجمال عبدالناصر.. رؤساء تحولوا إلى كتاب

مثلما أثار الرئيس العراقي صدام حسين الجدل في فترة حكمه على المستوى السياسي، فقد أثار الوسط الثقافي أيضًا بما نشر تحت اسمه على أنه روايات من تأليفه، ومن أشهرها رواية “زبيبة والملك” التي صدرت عام 2000، وهي تحكي قصة عشق ملك مُعذَّب وامرأة تعيسة في حياتها، لكن زبيبة استطاعتْ أن تنقذ الملك من محاولة قتله من ابن عمّه حيث تحول بين الملك وبين ضربة السيف الموجهة له من قبل مهاجمه بجسدها. ثم تتعرض زبيبة للاغتصاب من قبل زوجها القديم، وعقب هذه الحادثة تقول زبيبة “الاغتصاب هو أخطر الجرائم سواء أكان رجل يغتصب امرأة، أو جيوش غازية تغتصب وطنًا أو اغتصاب حقوق”.

وأشار كثيرون إلى رمزية الرواية إلى العراق. لكن زوجة الناقد السينمائي والقاص العراقي سامي محمد فجرت مفاجأة في مقر اتحاد الكتاب العراقي، بأن مؤلف الرواية الأصلي هو زوجها، حيث تم تكليفه من قبل الرئاسة العراقية بكتابتها اعتمادًا على مخطوطة أولية صغيرة كتبت بخط الرئيس الأسبق صدام حسين ونشرت حينها باسم مستعار هو لكاتبها، لكن الوسط الثقافي كان ينسب هذه الرواية وروايات أخرى لاحقة إلى صدام حسين شخصيا. وإن كان ثمة شائعة رائجة في الأوساط الثقافية “أمّ المعارك” بأن الأديب الراحل جمال الغيطاني هو من كتب “زبيبة والملك”، إلا أن الغيطاني نفى ذلك.

الغريب أن دار النشر كتبتْ على الرواية كنوع من الرواج “هذه ليست مجرد قصة حب رومانسية بين امرأة من الشعب وملك، فهي حافلة بمعاني الخير والشر والكبرياء والخنوع والتضحية والخيانة وأيضًا المكائد والمعارك”. ليس هذا فقط، بل إن “أحداثها توجز تاريخ أمة وتثير العديد من التساؤلات التي تدفعك للتفكير والتأمل”.

إبداع "عَصِي عن التجنيس"

ليست هذه هي الرواية الأولى بل هناك رواية “القلعة الحصينة” وثالثة بعنوان “اخرج منها يا ملعون”، الغريب أن تاريخ نهاية الرواية كان 18-03-2003، أي قبل اجتياح قوات الاحتلال لبغداد. وكتب على صفحتها الأخيرة «ريع هذه الرواية للفقراء واليتامى والمساكين والمحتاجين والأعمال الخيرية».

إذا كان ما أثارته كتابات صدام حسين من تساؤلات حول الكاتب الخفي، فإن في ما كتبه النقاد حول تجربة الرئيس الليبي معمر القذافي ما يثير الدهشة. الرئيس الليبي إلى جانب ما أثاره من إشكاليات في مواقفه وملابسه وإدارته للحكم، وإلى جانب أنه لقب نفسه بألقاب عديدة مثل “المفكر” و”ملك ملوك أفريقيا” و”قائد ثورة الفاتح” و”العقيد” معمر القذافي، ضمّ إلى هذه القائمة لقب «الأديب القاص».

الغريب أن النقاد هم مَن مَنحوه هذه الشرعية، فبعد أن صدرت له المجموعة القصصية “الأرض الأرض القرية القرية” و”انتحار رائد فضاء مع قصص أخرى” عام 1993 عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، حتى عقد مؤتمرًا لمناقشة الإبداع، حضره الكثير من النقاد، المثير أن أحدهم ذكر أن إبداع معمر القذافي “عَصِي عن التجنيس”.

15