حكايات أهل الكهف السورية تصل إلى هوليوود

الطبيبة أماني بلور تروي معاناة الأطفال في فيلم وثائقي مرشح للأوسكار.
الخميس 2020/02/06
في انتظار الجائزة

ليس من السهل مغادرة الوطن واللجوء بعيدا، لذلك يتسلح اللاجئون بالإصرار وتحقيق الذات حال الوصول إلى المستقر الجديد، ولا فرق بين الرجال والنساء، فالطبيبة السورية الشابة التي تستعد للأوسكار والأفغانية التي أصبحت نجمة كرة قدم في أوروبا مثال على ذلك.

باريس – عالجت الطبيبة السورية أماني بلور الآلاف من الأشخاص في مستشفى تحت الأرض في سوريا، وهي تأمل اليوم من خلال عملها الوثائقي “الكهف” المرشح للأوسكار أن تذكّر العالم بمأساة حرب تدخل قريبا عامها العاشر.

ويركز الفيلم الوثائقي للزوجين المخرج فراس فيّاض، وكاتبة السيناريو أليسار حسن، على مجموعة من الأطباء يعملون في مستشفى تحت الأرض، يُعرف باسم الكهف في الغوطة الشرقية قرب دمشق، حيث يُعالَج المرضى المصابون وسط الانفجارات والغارات اليومية، ويركز بشكل خاص على طبيبة الأطفال ومديرة المستشفى أماني بلور، والعديد من زميلاتها النساء.

في أواخر عام 2012، تخرجت أماني من كلية الطب البشري في جامعة دمشق، كانت تلك سنتها الأخيرة في الجامعة والسنة الثانية من عمر المظاهرات التي عمّت أرجاء البلاد منذ مارس 2011.

في محافظة ريف دمشق التي تنتمي إليها، بدأت أماني كمتطوعة تساعد الجرحى، ثم عملت كطبيبة تدير فريقاً مكوناً من حوالي 100 من العاملين في مشفى الكهف لتواجه نظرة المجتمع وانتقاداته ورفض الرجال لأن تتولى إدارة المستشفى كونها أنثى.

في عام 2018، ومع انتهاء الحصار المفروض على الغوطة الذي دام خمس سنوات، اضطرت أماني إلى مغادرتها مع أول دفعة من المدنيين الذين خرجوا في الباصات الخضراء باتجاه محافظة إدلب شمالي البلاد، تاركة خلفها المكان الذي أنقذت فيه حياة المئات من الأشخاص، ولم تحمل معها سوى صور الأطفال المضرجين بالدماء والموتى التي ظلت تلازمها حتى بعد أن طلبت اللجوء في تركيا، حيث تقيم.

وقالت الشابة التي كانت تحلم بالتخصص في طب الأطفال بعد انتهاء الحرب، إنها لم تعد تحتمل العمل مع الأطفال بسبب كل ما رأته، “هناك تراكمات نفسية لم أستطع تجازوها.. أصبح العمل الطبي معاناة بالنسبة لي، أنا على مفترق طرق، يجب أن أكمل دراستي، لكني لست قادرة”.

وحظيت بطلة فيلم “الكهف”، باهتمام إعلامي خاصة بعد إعلان مجلس أوروبا في 15 يناير عن منحها جائزة راوول وولنبيرغ لعام 2020 بفضل “شجاعتها وجرأتها وحرصها على إنقاذ حياة المئات من الأشخاص أثناء الحرب السورية”.

وقالت الأمينة العامة للمجلس، ماريا بيتشينوفيتش بوريتش، في بيان لها تعليقا على سبب منح هذه الجائزة للشابة السورية، “الطبيبة أماني بلور مثال ساطع للتعاطف والفضيلة والشرف الذي يمكن أن يظهر حتى في أحلك الظروف، وسط الحرب والمعاناة”.

أماني بلور: هناك تراكمات نفسية  لم أتجاوزها.. أصبح العمل الطبي معاناة بالنسبة لي، أنا على مفترق طرق، يجب أن أكمل دراستي، لكني لست قادرة
أماني بلور: هناك تراكمات نفسية  لم أتجاوزها.. أصبح العمل الطبي معاناة بالنسبة لي، أنا على مفترق طرق، يجب أن أكمل دراستي، لكني لست قادرة

وأضافت، “أصبح الكهف منارة الأمل والسلامة للعديد من المدنيين المحاصرين”، مؤكدة أن الطبيبة السورية خاطرت بحياتها من أجل مساعدة المحتاجين للرعاية الطبية، “أنقذت أرواح عدة أشخاص بينهم أطفال كانوا يعانون من آثار الأسلحة الكيميائية”.

وتؤكد أماني بلور في مقابلة أجرتها مع وكالة فرانس برس خلال زيارة لها إلى باريس نهاية الشهر الفائت، أن “هذا العمل ليس فيلما بالنسبة لي.. هو حياتي وحقيقتي”.وبعد حوالي أسبوعين من المقابلة، باتت الطبيبة السورية في الأراضي الأميركية تمهيدا للمشاركة في حفل توزيع جوائز أوسكار لهذا العام في لوس أنجلس، الأحد.

هذا الوثائقي المؤثر البالغة مدته مئة ودقيقتان والذي أنتجته “ناشونال جيوغرافيك” والهيئة الدنماركية للأفلام الوثائقية، يظهر طبيبة الأطفال وهي تبكي خلال مسحها الدماء عن وجه أطفال في غرفة عمليات، كذلك، يبيّن المعاملة الذكورية التي تلقتها من رجال لا يتقبلون أن يكون المستشفى بإدارة امرأة.

تقول أماني “في بادئ الأمر كنت أسمع ملاحظات من قبيل، لن تقدري على ذلك… جعلني ذلك أتحدى لأثبت أن النساء قادرات، الأمر الذي شكل ضغطا إضافيا علي”.

ويتنافس هذا الفيلم للفوز بجائزة أوسكار مع وثائقي آخر يدور أيضا حول الحرب السورية بعنوان “إلى سما” للمخرجة وعد الخطيب والذي نال جائزة تقديرية في مهرجان كان العام الماضي وفاز أخيرا بجائزة بافتا البريطانية عن فئة أفضل وثائقي.

وتأمل أماني بلور، في أن “يسلط الترشيح للأوسكار مزيدا من الضوء على القضية السورية ما سيدفع أناسا أكثر لدعمنا ومساعدتنا”.

وكان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش قد وصف هذه المنطقة بأنها “جحيم على الأرض”.

مساعدة الأطفال مهمة إنسانية
مساعدة الأطفال مهمة إنسانية

وعلى غرار ملايين من السوريين النازحين واللاجئين، تقول الطبيبة بلور صاحبة الإرادة الحديدية رغم مظهرها الخجول، إنها لا تشعر بالسلام منذ انتقالها للعيش في المنفى.

وتوضح، “في سوريا، عندما كنا نساعد الناس، كنت أشعر بسلام أكبر، رغم كل الصعوبات والقصف والجوع والوضع المأسوي الذي كنا نشهد عليه يوميا”.

ولا تزال عذابات آلاف من الأطفال المصابين الذين عالجتهم بلور تسكن الطبيبة الثلاثينية، مؤكدة، أن “لم يكن الأطفال يفهمون شيئا (…) كانوا يسألون دائما ما الذي يجري؟ لماذا يتعرضون للقصف ولماذا لا يجدون ما يأكلون؟ كان تفسير ذلك مهمة صعبة للغاية”.

وهي تتذكر بتأثر خاص عبدالرحمن ابن الحادية عشرة الذي كان في أواخر مرحلة التعليم الابتدائي حين تعرضت مدرسته لقصف أدى إلى إصابة معظم الطلاب.

تقول بلور، “لقد فقد ساقيه.. عندما استفاق من التخدير، سأل ‘أين ساقاي؟’، و’لماذا بترتموهما؟’”، مضيفة، “لم أكن قادرة على النظر إلى عيني الأطفال عندما كنت أعالجهم.. لا أحد منا كان يستطيع فعل ذلك”. وتتذكر قائلة، “في مستشفى الكهف، لم يعد هناك مكان على الأرض لوضع الجثث، كنا نكدسها الواحدة فوق الأخرى”.

هذه المحطات المأسوية، لم تحل دون تسجيل بعض اللحظات السعيدة في الوثائقي، كما الحال مع حفلة عيد ميلاد سرية استبدلت فيها البالونات بقفازات جراحية منفوخة، تقول، “كنا نحاول إيجاد لحظات فرح لنشعر مجددا بأننا بشر”. وتعمل أماني بلور اليوم على تأسيس صندوق يحمل اسم “الأمل” لدعم النساء. وتقول “نحاول بالشراكة مع ‘كينغ فاوندايشن’ البلجيكية تأمين تبرعات لهذا الصندوق لدعم المرأة، ليس فقط في سوريا ولكننا سنبدأ منها”.

وتؤكد، أن “هدفي الأول هو دعم المرأة لأني لمست الصعوبات الكبيرة التي تواجهها النساء في سوريا، وهنّ فعلًا بحاجة للدعم والمساعدة ليتمكنّ من أخذ دورهنّ في المجتمع”.

20