حكايات النجوم في بغداد

الخميس 2017/12/28

لم أكن أعلم أن عشرات النجوم الذين التقيتهم خلال رحلتي الصحافية التي اقتربت من عقدها الرابع، تؤرقهم عاداتهم اليومية في بلدانهم، حين ينتقلون إلى مدن أخرى، بعضهم اعتاد ركوب الباص، كما فعلت معي رسامة أميركية شقراء زارت بغداد، وأصرّت على أن ترى سوق الصفّارين، وتبرّعت كعراقي شهم أن أطوف بها السوق، لكنها طلبت أن تعبر جسر الشهداء قاطعة طريقا يربط كرخ بغداد برصافتها، ولما تقطعت أنفاسي طلبت لها تاكسي لكنها رفضت وأصرّت على صعود الباص الأحمر، الذي يقطع شارع الرشيد، لترى الناس عن قرب، وسط دهشة جمهور يرى فتاة بـ”المني جيب” في باص بغدادي ساخن.

وصلنا إلى منطقة الميدان في شارع الرشيد وسط تعليقات بغدادية حاسدة أقلها: ناس محظوظة، وخوش. دلفت مسرعا بهذه الفنانة الشقراء شوارع تؤدي إلى سوق الصّفارين التي ازداد فيها نقر النحاس، وهي تخطو بسيقانها الطويلة، وكأنهم يستقبلونها بإعجاب، بل وأظهر البعض مهارات استثنائية في موسيقى الطرق على القدور، وهم يخضعون لعدسة الفنانة، التي أخذت لهم عشرات اللقطات متمايلة بدلال.

وللفنانة عفاف شعيب التي زارت بغداد سنيّ الحصار رغبة في المشي كل يوم مع زوجها رياض العريان على شارع أبي نؤاس حيث إقامتها في فندق المرديان القريب، وإذا بها تقابل هجوم الكثير من معجبيها البغداديين، مما جعلنا نقنعها بالعودة إلى الفندق، كما فعلت شويكار الارستقراطية وهي تفاجأ بعاصفة من المعجبين بفندق بابل، بعكس برلنتي عبدالحميد التي كانت تحاور الناس وتسمع وجهات نظرهم، بل تريد أن تخرج للناس لتحكي معهم، وتفتح حوارات، إلا أن الأغرب قصة الراحليْن عبدالحسين عبدالرضا وغانم الصالح اللذين زارا بغداد في العام 1989 وأجريت معهما حوارات صحافية، حينها طلب مني أبوعدنان، يرحمه الله، أن أوصي له بسمكة من نوع الگطان، التي يشتهر بها نهر دجلة، وشارعه الأثير أبونؤاس ففعلت بعد الاتصال بـ”قدوري” أبوالسمك المسكوف الشهير.

ففرح لأنه يحب الفنانين وأراد أن يقابلهما ويضيّفهما، اتفقت معه لإحضارها على الساعة الثالثة، وبينما أنا منشغل مع زميل يعمل بمعيتي صعدنا إلى جناح الفنان عبدالحسين، وهو ينقض على الگطان بصحبة الصالح بعد أن افترشا جريدة على الأرض ولم يبقيا لنا سوى الذيل، عقوبة على تأخرنا، قال لي شامتا مازحا “احك مع الفندق ليجلبوا لكما سمكا مجمّدا مسلفنا درجة أولى”.

ضحكنا وخرج قدوري بصورة معهما ونحن نتضوّر جوعا.

24