حكايات بيروت الجريحة تعكسها الدراما في مرآتها

"من الآخر" مسلسل يعكس صعوبة الحياة في مدينة بيروت المشتعلة بالغضب والمآسي المتتالية، وهو ما انسحب على أهلها.
السبت 2020/11/28
أوجاع مكتومة

عبر قصص عاطفية متشعبة وعلاقات إنسانية تحكمها المصالح الشخصية الضيقة يدعو المسلسل اللبناني “من الآخر” بشكل غير مباشر الأطراف السياسية المتناحرة في البلد، الذي أثقلته الأزمات الاقتصادية والصحية المتعاقبة، إلى ترك الخلافات جانبا وإقامة الحوار في ما بينها، لأن الأمر يتعلّق بالمصلحة العامة.

في المسلسل اللبناني “من الآخر” يدور حوار بين زوجة شابة وزوجها تخبره فيه برغبتها في التخلص من حملها وتحدثه عن صعوبة الحياة في هذا البلد. ويعدها الزوج العاطل عن العمل بأن الأمور حتما ستتحسّن.

يحدث هذا على خلفية من الاحتجاجات الشعبية التي تقع في الشارع اللبناني ويُسمع صداها بين الحين والآخر متمثلة في هتافات المُحتجين وصعوبة التنقل بين الأحياء المُغلقة بالمتاريس.

ومن هناك يقدّم المسلسل جانبا من الحياة في مدينة بيروت، هذه المدينة الجميلة المشتعلة بالغضب والمآسي المتتالية.

علاقات متوترة

“من الآخر".. مسلسل يسرد معاناة المواطن اللبناني في ظل الأزمات المتعاقبة
“من الآخر".. مسلسل يسرد معاناة المواطن اللبناني في ظل الأزمات المتعاقبة

عُرض المسلسل أخيرا على عدد من الفضائيات العربية من بينها قناتا “دبي” و”أي.آر.تي”، وهو أحد إنتاجات الخريف التي استكمل تصويرها أثناء أزمة الإغلاق بسبب وباء كورونا.

وكان من المقرّر أن يُعرض العمل في شهر رمضان الماضي، غير أن توقّف تصويره حال دون ذلك، لكنه حظي عند عرضه أخيرا بترحيب من قبل الجمهور اللبناني والمتابعين للدراما اللبنانية، الذين يأملون في أن تستأنف صناعة الدراما اللبنانية نشاطها من جديد خلال الأشهر المقبلة وتستعيد حيويتها بعد فترة ركود وتوقّفٍ بسبب الأزمات المتعاقبة.

المسلسل من إخراج شارل شلالا، وتأليف إياد أبوالشامات، وتشارك في بطولته مجموعة متنوعة من النجوم اللبنانيين والسوريين، على رأسهم معتصم النهار وريتا حايك وبديع أبوشقرا وسنتيا صموئيل ومازن معضم وجهاد سعد وغيرهم من نجوم الدراما اللبنانية.

هذه الأجواء السياسية المضطربة التي تسيطر على الشارع اللبناني تبدو خلفية مناسبة لسياق العمل، والذي لا يخلو بدوره من التوتر والانفعالات، فأغلب العلاقات بين شخصيات المسلسل تبدو خارجة عن المألوف، أو تعاني نوعا من عدم الوضوح والاضطراب وازدواجية المعايير والمواقف.

القصة الرئيسية هنا تدور حول زوجين في علاقة متوترة، هما ورد وياسمين، والأسماء أحيانا تبدو ذات دلالة، ويؤدّي دورهما كل من معتصم النهار وريتا حايك.

أسباب التوتر تبدو غير واضحة في البداية، خاصة مع ما يمُرّان به من محنة، فابنهما الوحيد يرقد داخل المستشفى مستغرقا في غيبوبة طويلة على إثر سقوطه المفاجئ أثناء اللعب، أما الزوج فيعمل في مدينة دبي ولا يتواصل مع أسرته إلاّ عبر الهاتف، ليوفّر تكاليف المستشفى الاستثماري الذي يرقد فيه ابنه، فكل شيء في هذا البلد كما يقول الزوج “له ثمن”. غير أن الزوجة تبدو غير آبهة بهذه المُبرّرات.

تسعفنا الأحداث سريعا لندرك أن سفر الزوج ليس هو السبب الوحيد لهذا التوتّر بينهما، فعلى خلفية الذكريات التي يرويها الزوج بصوته عبر مشاهد الفلاش باك ندرك الصورة كاملة. لقد انهارت الأمور كلها فجأة حين علمت الزوجة بخيانة زوجها لها مع امرأة أخرى، وجاء الحادث الذي تعرّض له طفلهما ليفاقم هذه الشروخ التي أصابت علاقتهما.

على الجانب الآخر، نجد ثنائيا مختلفا وهما هاني وتارا، ويلعب دورهما كل من سارة معضم وسنتيا صموئيل. يعيش كل من هاني وتارا علاقة معقدة، فالشاب هاني وهو عازف بيانو تعرّض لحادث أقعده عن الحركة، إثر خلاف مع حبيبته تارا، لقد كانا على وشك إنهاء العلاقة بينهما حين وقع الحادث، غير أن الأمور اختلفت بعده. شعور الفتاة بالذنب يدفعها إلى مواصلة العلاقة مع هاني على الرغم من تردّدها ورفض أمها لذلك.

وتبدو العلاقة بين هاني وتارا شديدة التعقيد والهشاشة، وخاصة حين تتدخّل الأم وتطلب من الشاب صراحة أن يبتعد عن ابنتها، فهي لا تريد لها الارتباط بشاب مُقعد، غير أن تارا تدافع عن هذه العلاقة وتتمسك بها.

وكأن المسلسل يلفت انتباهنا إلى أن هناك وجها آخر للحقيقة وعلينا ألّا نتسرّع في حكمنا على الأمور حتى ندرك جوانبها كاملة، إذ لا تبدو تارا بهذا الإخلاص والتفاني في علاقتها مع هاني، فمع تكشّف الأحداث ندرك العلاقة السرية التي جمعتها بزوج ياسمين، وأنها السبب في هذه الخلافات التي نشبت بينهما.

من الخاص إلى العام

ريتا حايك استطاعت أن تؤدّي بمهارة دور المرأة المتحدية والقوية المُدافعة عن حقوقها والمتمسكة بكرامتها
ريتا حايك استطاعت أن تؤدّي بمهارة دور المرأة المتحدية والقوية المُدافعة عن حقوقها والمتمسكة بكرامتها

تتبّع الأحداث اللاحقة يجعله صناع المسلسل عن طريق مشاهد الفلاش باك، حيث يتوضح كيف تعرّفت تارا على ورد وكيف تطوّرت علاقتهما السرية على الرغم من ارتباطهما بشخصين آخرين.

تلعب المصادفة هنا دورها في تصاعد الأحداث، فحين يلجأ ورد إلى أحد مكاتب المحاماة يكتشف أن تارا تعمل به وأنها هي من ستتولى قضية طلاقه. وحين تعرف تارا أن ورد لا يرغب في الانفصال عن زوجته، تدرك مدى كذبه السابق حول شعوره تجاه زوجته، ورغبته في الانفصال عنها. تشعر تارا بأن ورد يعاني من الازدواجية في علاقته معها فتتولى قضية زوجته نكاية فيه.

تشتعل الأحداث حين يتعرّف ورد على هاني عن طريق الصدفة، وتجد تارا نفسها مُشتّتة بين علاقتها بورد وارتباطها بهاني.

وبعد انفصال ورد وياسمين تتوطّد علاقة الزوجة بزياد، الذي يؤدّي دوره الفنان بديع أبوشقرا، وهو الطبيب المُشرف على علاج ابنها. ولكن في الوقت الذي يشعر فيه المشاهد بحتمية الانفصال بين ورد وياسمين تفاجئنا الأحداث بالمزيد من المُتغيرات التي تدفع الطرفين إلى معاودة التفكير في علاقتهما من جديد.

على الرغم من التهيئة الأولى لأحداث المسلسل بملامستها للوقائع الجارية على الأرض من أزمات واحتجاجات، إلّا أن العمل قد اكتفى ببعض الإشارات العابرة إليها، مع معالجة خجولة أحيانا لأسبابها، كالفساد والعلاقة بين رأس المال والسلطة والبطالة المُستشرية بين الشباب.

ولكن بدلا من هذه المُعالجة المُباشرة لتلك الأوضاع، نجد ميلا إلى استخدام الرمزية المتمثلة في العلاقة بين الشخصيتين الرئيسيتين في المسلسل وهما ورد وياسمين كإسقاط على الأوضاع العامة التي يعيشها لبنان.

وكأنها دعوة غير مباشرة للأطراف المتناحرة إلى ترك خلافاتها جانبا في وقت الأزمة، خاصة حين تتعلق المسألة بأمور مصيرية. فحين يدرك الزوجان أن اقترابهما في صالح الابن الصغير الذي يبدأ في التعافي، يتركان خلافاتهما جانبا ويختاران أن يواصلا حياتهما معا من جديد.

يتعرّض المسلسل لدهاليز عالم الإعلام في لبنان والمحسوبية التي تسود العلاقة بين القائمين عليه وبعض الساسة ورجال الأعمال. أجواء المسلسل بدت هادئة على نحو عام، لكنها تراوح أحيانا بين الانفعالات الزائدة للممثلين، والهدوء المُفرط في مواقف لا تدعو إلى ذلك.

في مسلسل “من الآخر” أثبتت ريتا حايك من جديد قدراتها التمثيلية، واستطاعت أن تؤدّي بمهارة تُحسب لها دور المرأة القوية المُدافعة عن حقوقها والمتمسكة بكرامتها في تحد. أما معتصم النهار فقد لعب بجدارة دور الرجل مزدوج الشخصية، وهو نموذج نجده كثيرا في حياتنا الاجتماعية.

15