"حكايات تحت أشجار القرم": تأملات عراقية في صور الحياة

الشاعر عبدالرزاق الربيعي يتأمل في كتابه صور الحياة بكل وجوهها، في سكونها وتقلباتها وصفوها وكدرها.
السبت 2018/12/22
الربيعي يزخرف دفتر أوراقه بظلال روحه

عمّان – يدوّن الشاعر عبدالرزاق الربيعي، في كتابه الجديد “حكايات تحت أشجار القرم”، رحلة الكتابة؛ متأملا صور الحياة في سكونها وتقلباتها وصفوها وكدرها.

في هذه الحكايات، التي يختار لها فضاءات تنفتح على الأفق وأشرعة البحر، يزخرف الشاعر دفتر أوراقه ليس بالقلم والحبر، وإنما بظلال روحه.

يستهل الكتاب، الصادر حديثا عن دار “الآن ناشرون وموزعون” في عمّان، بعبارة تشير إلى أن هذه الحكايات، التي نُشرت في الصحافة والدوريات، تمثّل تأملات في صور الحياة. وهي تتباين بين الحلو والمر، ويتنازعها الألم من لحظات الفرح، والتعب والشقاء من لحيظات الراحة، ربما هو طبع الحياة التي توقعنا في حبائلها ومصائدها دائما لنعرفها ونألفها، غير أننا لفرط انشغالاتنا مع الحياة ننسى أنفسنا وذواتنا.

ويذهب الربيعي في الكتاب إلى عزلة التأمل، بإشارة إلى ما تنطوي عليه الكتابة في الحياة التي نعيشها من استسقاء مالح، كما أشجار القرم التي ترتوي بماء أجاج، ليستعيد حكاياته في ظلال هذه الأشجار، وهي من النباتات التي تعيش في المناطق الساحلية بالخليج العربي، وترتوي بالماء المالح.

يقول الربيعي في عتبة الكتابة التقديمية “بعد سنوات طويلة، وخبرات وظيفية متراكمة، ومشاهد يومية داخل دواليب العمل الصحافي في الأقسام الفنية والثقافية، كنت أدوّن أهم ما أراه وأقرأه وأسمعه، وارتأيت أن أضع التجارب في مقالات نشرتها في صحف ومجلات”.

 ورغم أنه يصور الحياة بكل وجوهها، فهو يشعر في أحايين كثيرة بمسؤولية أن يكتب ما يبعث على الأمل، وخصوصا في أزماتنا المعاصرة. و”يدعو فيها للإخاء والتسامح ونبذ العنف”.

ينظر الربيعي إلى تلك المشاهدات بشغف الشاعر، ونباهة الصحافي، ومشاعر الإنسان، ويضفي عليها لغته الرشيقة والشفافة التي تمنح الحكاية ملمحها الإنساني وبعدها الجمالي.

تأملات في صور الحياة بين الحلو والمر
تأملات في صور الحياة بين الحلو والمر

الحكايات التي يقول الكاتب إنها “تجارب واقعية”، تنوعت بين موضوعات وجغرافيات وأجناس مختلفة، تقع بين الثقافة والرياضة والمسرح والفن وقضايا والحرية والأمل والمجتمع وشؤونه وشجونه.

كما تقع المقالات بين الماضي والحاضر والواقعي والخيالي، وقد غلبت على العناوين الفرعية، التي اختارها الكاتب، النواحي المعرفية التي تنمّ عن سعة اطلاع الكاتب وخبراته الثقافية وحسه النقدي. وتنطوي على إشارات ترميزية وسيميائية ذات نفحة شعرية تحتمل الكثير من التأويلات. من هذه العناوين “السائر فوق العشب”، “كتاب وماء وذهب عُماني”، “أداء الشعر في المسرح”، “صخرة الإرادة”، و”أميتاب وحراب التطرف”.

يقول في الحكاية الأولى “حين زرت جامعة كمبردج، لفتت نظري المنزلة الكبيرة التي يحتلها المعلم في الجامعة، ومن مظاهر تلك المنزلة أنه الوحيد الذي يحق له السير على العشب الذي يحيط بممرات كليات الجامعة، والسير على العشب، المتاح للجميع في بلداننا، يُعدّ من الأمور المحظورة في أماكن كثيرة بالغرب، وحتى في الشرق حيث وجدت أنه فعل مشين في الصين يصل إلى درجة أن القانون يحاسب من يقوم بارتكاب هذا الفعل!”. لكن المحظور يُباح في “كمبردج”، و”الشين” يصبح “زينا” للذي يعلّم الأجيال ويربيها، وينشئ النفوس والعقول كما يقول أمير الشعراء أحمد شوقي في قصيدته الشهيرة.

يشتمل الكتاب، أيضا، على مقالات تتناول موضوعات مثل الأداء الجسدي وسيلة معرفة، وصفة حسابية للسعادة، هاتشي حكاية وفاء، مدارس الغرب، اللاإنسانية في الإنسان، العلاج بالمشي، جلجامش بريطاني، صدمة ثقافية، للفرح عينان دامعتان، حتى لا تذبل زهور أيامنا، أحلام للبيع، الحرية ليست حكرا على الغرب، للصورة ألف لسان، رصاص الكراهية وزهور المحبة، وصلاة النور في باريس.

يشار إلى أن عبدالرزاق الربيعي يحمل الجنسية العُمانية، وهو من أصل عراقي، صدرت له جملة من المجموعات الشعرية، منها “حداد على ما تبقى”، “شمال مدار السرطان”، “غدا تخرج الحرب للنزهة”، و”ليل الأرامل”.

وفي أدب الأطفال كتب “وطن جميل”، “نجمة الليالي”، “حلاق الأشجار”. وفي أدب الرحلات له كتاب بعنوان “خطى وأمكنة”. وفي الكتابة النقدية “تحولات الخطاب النصي”، و”راهب القصيدة عبدالعزيز المقالح”. وفي المسرح “الصعاليك يصطادون النجوم”،”البهلوان”، “آه أيتها العاصفة”، و”ضجة في منزل باردي”.

وتتناول هذه الأخيرة علاقة الشاعر الفرنسي فرلين بصديقه الشاعر رامبو وزوجته، إثر قطيعتهما الشهيرة في بروكسل، ويجري فعلها الدرامي في منزل يسمى “باردي” بعدن، وهو المنزل الذي أقام فيه رامبو شطرا من حياته. لكن شخصية رامبو لا تظهر في المسرحية، ولا يرد ذكره إلّا بصفته شاعرا، في حين نسمع مقاطع من شعره على لسان الرجل (فرلين)، الذي يقرأ ديوان رامبو “فصل في الجحيم”.

15