حكايات تشكيلية من عهد الإسكندر إلى العصر الحديث

فنانون مصريون يستعيدون تاريخ الإسكندرية في غاليري "ضي" القاهري، حيث تتنوع أعمالهم بين التصوير الزيتي والمائي والغرافيك والنحت.
الأحد 2018/04/22
المرأة أكثر قدرة على استيفاء شروط التعبير في لوحات علياء الجريدي

القاهرة - للفن مقدرة خاصة على الخلق وإزالة الحواجز والحدود، وهكذا تصبح قاعة العرض الصغيرة بأصابع الرسامين والنحاتين فضاء للإبحار عبر الزمن، واستدعاء تاريخ الإسكندرية من خلال أعمال أربعة تشكيليين من أبناء هذه المدينة المعروفة في مصر بـ”عروس المتوسط”.

ما من وثائق أقدر على حكي التاريخ من وجوه البشر، بقسماتها وخطوطها المتجددة بأًصالة، الأصيلة بتجدد، فهي المرايا الحساسة العاكسة لكافة التغيرات المجتمعية، وهنا يمكن للفنان المرهف القادر على فك شفرة هذه الوجوه أن يكون بوصلة أمينة للمؤرخ والباحث من أجل كشف السمات والملامح الخاصة بمرحلة حضارية ما لمدينة من المدن أو دولة من الدول، واستشفاف نصيبها من الازدهار والتطور.

وفق هذا الإطار، يشهد “غاليري ضي” بالقاهرة معرضا جماعيّا يستمر حتى 24 أبريل الجاري، لأربعة من أبرز فناني الإسكندرية، تتنوع أعمالهم بين التصوير الزيتي والمائي والغرافيك والنحت، وتؤصل لتاريخ المدينة عبر العصور المختلفة منذ عهد الإسكندر الأكبر وصولا إلى يومنا الراهن.

المعاناة والرخاء والبراءة والفخامة.. ملامح متغيرة تبرزها وجوه منتمية إلى عصور متفاوتة الحظوظ في التدهور والازدهار

ثمة فلسفتان للمعارض التشكيلية الجماعية التي تقدمها قاعات العرض بمصر، فإما أن يكون المعرض الجماعي مجرد مكان مشترك لا أكثر لاستضافة جهود فردية لفنانين مختلفين لا تجمعهم رؤية أو موضوع يتوافقون عليه، وإما أن يلتقي الفنانون في تيمة أو فكرة أو حتى خامة مشتركة، بحيث يكون هناك ما يبرر إقدامهم على العرض المشترك كفريق عمل، مع احتفاظ كل واحد منهم بفرادته.

وفق التوجه الثاني (التيمة المشتركة) يلتقي أربعة فنانين سكندريين هم: محمد عمر طوسون، علياء الجريدي، علي سعيد ونجيب معين، في معرض جماعي منعقد بغاليري “ضي” (أتيليه العرب للثقافة والفنون).

ويأتي تاريخ الإسكندرية ليكون المظلة الكبرى التي تندرج تحتها أعمال هؤلاء الفنانين، التي تتجاوز السبعين، وتتنوع بين التصوير الزيتي والمائي والغرافيك والنحت، وتعد بمثابة قراءة فنية تشريحية لخارطة الإسكندرية عبر العصور وأيقوناتها العقائدية وملامح مصر القديمة ووجوه البشر وأحوال المجتمع المتغيرة منذ الإسكندر الأكبر والعصر البطليموسي وصولا إلى العصر الحديث.

معالجات نحتية

دراما علي سعيد تلائم الحكي التاريخي
دراما علي سعيد تلائم الحكي التاريخي

 تحت سقف واحد من التآلف، يطلق كل فنان في معرض الإسكندرية الجماعي قدراته الخاصة معبّرا عن بصمته في تصوير ملمح أو جانب من “الإسكندرية”، التي ينتمي إليها كمدينة من حيث الميلاد والنشأة من جهة، والتي يستوعبها ويختزن تاريخها الحضاري الممتد كفكرة، من جهة أخرى.

“لأن التاريخ فضاء لا نهائي، يبدو المعرض الجماعي الأنسب لاستقصاء رؤى متعددة تضيء الإسكندرية كمدينة وحالة وروح وفكرة”، هذا ما يقوله هشام قنديل رئيس مجلس إدارة أتيليه “ضي”. ويضيف لـ”العرب” أن هذه الرؤى تكمل بعضها في إطار من التنوع في الأطروحات وفي الخامات.

المعاناة، الرخاء، البراءة، الفخامة، ملامح متغيرة تبرزها الوجوه بشكل خاص، المنتمية إلى عصور متفاوتة الحظوظ في التدهور والازدهار، وهنا تأتي أهمية هذه التوليفة الفنية، كما يقول قنديل، إذ يمكن للمتلقي تكوين رؤية متسعة من خلال اطلاعه على معطيات وتصورات نسبية تخص كل فنان على حدة، وكل مرحلة زمنية شهدتها المدينة العريقة، وهكذا تتجلى قيمة العرض الجماعي.

ينطلق التشكيلي محمد عمر طوسون عبر أعماله النحتية إلى تجسيد معاناة الإنسان المعاصر، تلك التي يركزها في عناصر وملامح الوجوه بمعالجة مرهفة لخامة البرونز، التي يحررها من جمودها وسكونها، لتستوعب سيولة الأعماق الجياشة بالمشاعر، في وجوهه المعبرة عن الشخصيات البسيطة في العصر الحالي.

الخصوبة والنماء في لوحات سعيد تترجم عصور الازدهار
الخصوبة والنماء في لوحات سعيد تترجم عصور الازدهار

ولد طوسون بالإسكندرية عام 1973، وتخرج في كلية التربية الفنية بجامعة الإسكندرية، وهو عضو لجنة الفنون التشكيلية والمعارض الدولية بالمجلس الأعلى للثقافة، وله معارض ومشاركات متعددة بالداخل والخارج.

وجوه طوسون، المنحوتة بعناية، ملتقى للعصور المختلفة التي شهدتها الإسكندرية قديما وحديثا، ونوافذ للإطلال على سمات العصر من خلال ما تنضح به من معاناة أو رخاء، وتوحي تضاريس الملامح وانسيابيات التجسيم والتشريح بروح المرحلة التاريخية، كما في شموخ الأنوف الدالة على عصور القوة والازدهار.

 في مجال النحت أيضا، يقدم الفنان نجيب معين رؤية رهافة في التعامل مع الخزف والخشب بأسلوب معاصر، ويتحول الشكل إلى التقاط رامز، يخرج بالشخصية من فرديتها إلى مشترك إنساني يخص زمانا ومكانا محددين.

ولد نجيب معين عام 1981، وتخرج في كلية الفنون الجميلة بجامعة الإسكندرية، وحصل على الدكتوراه من إيطاليا في مجال نحت الأحجار والأخشاب والبرونز، وفاز في العام الماضي بجائزة مهرجان الشباب العربي.

يهتم معين، في منحوتاته، بالطراز البطليموسي على وجه الخصوص، الذي يعود إلى عصر البطالمة الذي أعقب عصر الإسكندر الأكبر، وفي هذا النسق يُكسب الفنان أجساد الشخوص شموخا يتجلى في طول قاماتهم وفتوتهم. وتحيل وجوهه النسوية إلى أساطير اليونانيين، فضلا عن تيمة عروس البحر في الخيال الشعبي.

أبجديات التصوير

مخيلة علياء الجريدي تستوعب كائنات الطبيعة ورموز الأساطير
مخيلة علياء الجريدي تستوعب كائنات الطبيعة ورموز الأساطير

 في مجال التصوير، تقدم الفنانة علياء الجريدي أعمالا تشخيصية وتجريدية متنوعة، مستفيدة من أشكال المخطوطات المألوفة وأسلوب الترصيص، ولا يكون هناك مركز محدد للوحة، مع حرص على المزج الحميم بين الواقعي والمتخيل.

ولدت الجريدي بالإسكندرية عام 1969، ودرست الفن والتاريخ في جامعتها، وعرضت أعمالها، فرديّا وجماعيّا، في مصر وإيطاليا وألمانيا وإسبانيا والسويد وفرنسا والولايات المتحدة.

وتستلهم الرموز والعناصر التراثية، خصوصا ما يتعلق بصورة المرأة في الثقافة الشعبية، وما يتصل بعالم الحيوانات والطيور، وما ينتمي إلى “الأبيض المتوسط” من أمواج ورمال وصخور وكائنات بحرية، وتتجلى في أعمالها نزعة إلى البراءة وإعادة صياغة الواقع من خلال قراءة التاريخ بعيون لاقطة ناقدة.

ويستلهم الفنان علي سعيد تراث الإسكندرية في أعماله التصويرية التي يقدمها بأسلوب معاصر، مركزا على نحو خاص على “وجوه الفيوم” التي تمثل سمة من سمات تجربته، وعلى الأيقونات العقائدية المستقاة من مصر القديمة، حيث يصبغ الطابع الديني الحياة بأكملها.

ولد سعيد عام 1979، ودرس في كلية الفنون الجميلة بجامعة الإسكندرية، وهو المدير الحالي لمتحف الفنون الجميلة بالمدينة، والمشرف على مجمع الإسكندرية للفنون.

في رسومه التصويرية، يُبرز علي سعيد سمات الازدهار وملامح الرخاء من خلال فخامة الملابس وأريحية العيون والوجوه، مفسحا المجال للمرأة بوصفها الأكثر قدرة على ترجمة روح العصر، كما يفرد مساحات واسعة للتعاطي مع الكائنات الحية من نباتات وحيوانات وطيور، في أجواء درامية وملحمية تلائم الحكي التاريخي والأسطوري.

“فنانون سكندريون”، رواية من أربعة فصول، تفتح الباب واسعا على تاريخ مدينة الإسكندرية، بقراءات تشكيلية استكشافية تتسم بالبكارة والقدرة على تجاوز السطح والنفاذ إلى الجوهر.

14