حكايات تضحكك وتبكيك أخرجها طبيب من غرفة الطوارئ

تمتلئ الحياة بمواقف منها ما هو مضحك وما هو مبك، ومنها أيضا ما تقشعر له الأبدان. وربما كانت أقسام الطوارئ بالمستشفيات هي المكان الخصب لهذه المواقف على تنوعها، وما تمثله هذه الأماكن من ملجأ اضطراري لمختلف الفئات الاجتماعية.
الثلاثاء 2016/03/08
سيمفونية ساخرة ليوميات واقعية من المستشفيات

القاهرة - يتناول الطبيب المصري يحيى قدري، الذي تخرج في قسم الطوارئ والحالات الحرجة بكلية الطب، في كتاب جديد صدر له بعنوان “دكتور طوارئ.. يوميات واقعية من المستشفيات المصرية”، البعض من المواقف التي يمر بها خلال عمله كطبيب طوارئ في بعض المستشفيات الحكومية والخاصة، في حكايا متفرقة وطريفة.

الكتاب صادر عن دار دوّن للنشر والتوزيع، وقد حقق منذ صدوره نجاحا لافتا نظرا لإقبال القراء على هذا النوع من المحكيات المكتوبة باللغة العامية المطعمة بالفصحى.

ويبدأ قدري فصول كتابه بحوار يدور من خلال اتصال هاتفي بينه وبين أمه التي تريد رؤيته، وترغب في أن يتزوج حتى تحتضن أحفادها، ثمّ تتناسل حوارات عديدة يسردها الكاتب مضمّنا إياها حكاياه ومواقفه بلغة سهلة وخفيفة، ولكل محاورة مستواها اللغوي وفق من يشاركه الموقف الذي ينقله.

ومن هذه المواقف على سبيل المثال ما هو مضحك، مثل ما تعرض له مع أحد سائقي الميكروباص الذي كان قد أنقذ أخاه، وعندما رآه السائق أصرّ أن يركب معه لكي يوصله إلى عمله في مستشفى زايد ورفض أخذ الأجرة منه، لكن هناك من بين المواقف التي يزخر بها الكتاب ما يحمل على البكاء، مثل موقف عنونه الكاتب بـ“فتاة الحمام”، وفيه يسرد الكاتب حكاية شاب استغاث به لأن أخته تعاني ضيقا في التنفس، فيتوجه الكاتب/ الطبيب معه لإسعافها، ليجد “فتاة شابة ملقاة في الحمام دون نفس”، فينقلها إلى المستشفى ويسعفها لتتعافى، ولكنها بعد 24 ساعة تفارق الحياة.

قصة فتاة الحمام لم تنته هناك، إذ بعد ثلاثة أيام من وفاتها يحضر أخوها، ويبحث عن الفريق الطبي الذي تعامل معها، فيحاول الجميع إخفاءه خشية حدوث صدام أو تجاوز، فيخبرونه أنه نائم، لكنه يقتحم غرفته ليقول “شكرا إنكو عملتوا اللي عليكوا مش عارف أقول لكوا إيه”، وبعد سنة من هذه الحادثة، يعاد فتح التحقيق في سبب الوفاة، ليتضح أن الشاب قتل شقيقته بالسم بسبب الميراث”.

تتنوع الثيمات في هذا الكتاب لكن تبقى روح الفكاهة هي السائدة، حيث ينتقل بنا الطبيب من حالة إلى أخرى ويصف لنا بدقة كيفية تعامله مع حالات الطوارئ بروح تحاول أن تضفي المرح على الأجواء الفوضوية، فكل مريض بالنسبة إلى الكاتب، هو عبارة عن مسألة كلامية أو لغز يحتاج إلى حل. وعن نظرة الناس إلى طبيب الطوارئ وكيف يتعاملون معه، يصف يحيى قدري من خلال ما عايشه كيف يُلغَى الجوّ القدسي للمستشفى بفعل فوضى الشارع داخل غرفة الطوارئ.

قدري هو أيضا شاعر بالعامية لديه ديوانان “نيجاتيف” صدر في 2009، و“كهربا رباني” في 2015، ولكنه أراد في “دكتور طوارئ.. يوميات واقعية من المستشفيات المصرية” أن يوثق تجربة إنسانية عاشها خلال السنوات الخمس الماضية، في صورة يوميات من داخل المستشفيات المصرية.

ويؤكد الكاتب على أن المزاح طريقة سهلة لإبلاغ المعلومة، وشرح المواقف الخاصة، لكنه يلفت إلى أنه لو أمعنا النظر في مضمون الكتاب فسنجد بأن محتواه غير ساخر على الإطلاق، بقدر ما هو مجموعة من المواقف المتفرقة تسعى إلى الكشف الجادّ عن تفاصيل حياة المصريين ومظاهرها وإشكالاتها.

وحول ردود فعل القراء حول الكتاب، يؤكد قدري أن الزملاء العاملين في المجال الطبي اعتبروا الكتاب شرحا دقيقا لحياتهم، إذ يبين مشاكلهم وما يعيشونه في يومياتهم، إضافة إلى أن الكتاب نجح في أن ينقل حيوات الناس من خلال قصص تحصل في غرفة الطوارئ.

موهبة الكاتب تبدو جلية في الإلمام بالتفاصيل وصياغة الحوارات والمسارات السردية، لكنه لا يسعى إلى أن يحترف الكتابة بديلا عن الطب كما فعل الكثيرون. إذ يرى يحيى قدري أن الكتابة هي اشتباك مع العالم وحوار مع الآخر أيا كانت صورته أو صورة المنتج الفني الذي يتناوله. كما يؤكد أنه لا يستطيع أن يبقى في البيت منتظرا ليكتب دون أن يفهم أو يستوعب أو يعيش الحالة التي تؤدي به إلى كتابتها. فالكتابة بالنسبة إليه تورّط مع الناس لاكتشافهم واستيعابهم، هي فعل مواز للحياة. ويقرّ قدري أنه يجب أن نكتب عما نعرف، ولا يمكننا أن نعرف إذا لم نعش مع الناس ونرى تفاصيل حياتهم، ونراهن ونتعلم ونكسب ونخسر.

وعن أعماله القادمة يقول يحيى قدري إنه بصدد التحضير لديوان شعري ثالث بعنوان “بير العبد”، كما يستعد لمشروع رواية اسمها “ممر فيلادلفيا”.

15