حكايات شرقية في زغرب

الأحد 2016/03/27
ها نحن الآن بخير!

أمام محطة القطارات في زغرب تتمدّد أمام الأعين “ساحة الملك توميسلاف” مع نصب ضخم له، هذا الرجل كان من أقوى شخصيات أوروبا في القرن العاشر، كان حكمه ينبسط من البوسنة حاليا إلى حدود إيطاليا ويشمل الجزء الشرقي من النمسا وكان رعاياه يتنقلون بين هذه الأقاليم بيسر، أما اليوم، فهو يكتفي بساحة وحيدة له يتجمّع فيها المارة والسياح والعشاق، ومن حين إلى آخر بعض اللاجئين الطامحين بلا جدوى في العبور إلى حدود دول مجاورة، يطلّون برؤوسهم على محطة القطارات المقابلة، لتواجههم وجوه “العسس″ الذين كثر عددهم في الفترة الأخيرة.

ففي آخر سفرية لي بين زغرب وليوبليانا المجاورة (ساعتان ونصف الساعة من المسير)، تعرّضت لمراقبة تذكرة السفر، ثلاث مرات، من دون الحديث عن الاستجواب الطويل على الحدود الذي تعرضت له لوحدي من دون بقية الركاب، كوني الوحيد الذي لم يكن يحمل معه جواز سفر أوروبي.
أضف إلى ذلك أن رحلات القطارات المتجّهة غربا، ليست دائما ممكنة، مما يزيد من شقاء اللاجئين ويحدّ من آمالهم في العبور، فقد يحصل أن تُلغى، بحسب مزاجات الساسة، التي ازدادت سوءا منذ حوالي الشهر.

تسألني كريستينا، وهي أربعينية، تعمل مصوّرة فوتوغرافية “ليست لدينا مشكلة في استقبال لاجئين أو ضحايا الحرب في سوريا، ولكن نستقبل النساء والأطفال لا الرجال!”، و”هل يجب على الرجال أن يموتو؟” سألتها، “نعم بلادهم في حرب عليهم أن يبقوا في سوريا وليحاربوا من أجل بلادهم!” أجابت، ولكن، من يُحارب من في سوريا؟ يبدو أن الصور قد اختلطت في ذهن كريستينا، تعتقد أن الوضع بالسهولة التي تجعل كل واحد من السوريين يحدد عدوّه، ويحدّد أي كتيبة ينضم إليها، وأي قِبلة يتّجه إليها.

وفي اليوم الموالي، عادت إليّ، وقالت، بنوع من التّفاخر “قبل عشرين عاما كنا في حرب، هنا في هذا المكان الذي نجلس فيه الآن، كانت صفارات الإنذار تدوي في أي لحظة، كانت المدارس تفتح أبوابها صباحا والمخابز تعمل، كنا نعيش في خوف، لكننا لم نتوقّف عن العيش، حصل ما حصل، وها نحن الآن بخير!”.. “وقتها، عدوّكم كان واضحا، كان الجار صربيا! وفي سوريا، العدوّ واضح وخفيّ في آن، وهو واحد ومتعدّد، لذا، فالمقارنة ليست سليمة”..

صورة الوضع في سوريا كانت أكثر نقاء مع إيفانا (33 سنة)، هي بوسنية الأصل، لكنها ولدت في زغرب، كبرت وتعلّمت فيها، تزوّجت وأنجبت منذ خمس سنوات طفلة، ثم ارتبطت من أشهر قليلة بواحد من اللاجئين السوريين، اسمه أحمد، حبلت منه وتركها في شهرها الرابع عائدا إلى الحدود بين مقدونيا واليونان للعمل مترجما، ظاهريا، ولمساعدة شقيقيه في العبور -بحسب ما قالت لي إيفانا-، ومن أكثر من شهر لا تعرف أي شيء عنه، فقد انقطعت أخباره ولم يعاود الاتصال بها، “أتمنى فقط أن يتمكّن من العودة”، أضافت إيفانا.

حالة إيفانا ليست الوحيدة من نوعها، فقد حصلت فعلا ارتباطات في الأشهر الماضية مع لاجئين (ليس فقط من السوريين)، منها ما هو مستمر ومنها ما انقطع لسبب أو لآخر.

وفي ظل هذا الجو العام، الحديث كله لا يدور سوى عن اللاجئين عن سوريا وما يدور فيها من صراعات، ولم ننتبه إلى تفصيلات صغيرة، لكنها مهمة حصلت في الفترة الأخيرة، وتستحق أن نتوقف عندها قليلا، فحركة الهجرة عبر “طريق البلقان” ليست تخصّ عربا ومسلمين وحدهم، فقد سجلت، في الأشهر الماضية، أيضا حركة في الاتجاه نفسه لأغراض اقتصادية في الغالب، لمهاجرين من الدول القريبة، خصوصا من جمهورية الجبل الأسود، من كوسوفو، من مقدونيين أنفسهم، الآلاف من مواطني هذه الدول، التي لا تعرف حروبا ولا نزاعات طائفية، كتلك التي نعرفها، في المنطقة العربية، اختاروا طريق الهجرة واللجوء والتوّجه برا مع البقية إلى الدول الوسطى والغربية، من القارة العجوز.

لكن هذه الفئة من المهاجرين، رغم اختيارها للتوقيت نفسه والطريقة ذاتها في الهجرة، مع لاجئين سوريين، إلا أنهم لا يتعرضون للممارسات نفسها، ولا للخطابات العنيفة والعنصرية أحيانا التي يعرفها العرب. حتى في اللجوء، في لحظة الألم القسوى، يوجد جنس أعلى من آخر!

كاتب من الجزائر

11