حكايات شعبية كوميدية من الجنوب اللبناني في مواجهة الواقع

تحضر الحكايات الشعبية بيننا بوصفها اختزالاً للتجربة الحياتيّة، أو ومضات تضيء تفاصيل منسية وهامشية منها، فهي أقاصيص صغيرة لا تنتمي إلا إلى نفسها، حاملة خصوصيّة جغرافية ولغوية، هي ما نسمعه في جلسات السمر، أو ما يتسلل خفية إلى أذهاننا، منها المعروف والمتداول، ومنها السريّ الذي ينتقل من فم إلى فم ومن راو إلى آخر سراً لهول ما يحويه من فضيحة أو فُحش، ليكون مفهوم الحكاية الشعبية مرتبطا بطبقة اجتماعية ما وخصائصها، مختزلاً تجربتها وملامساً عن قرب تأثير الأحداث والأفكار الكبرى فيها.
الاثنين 2017/02/13
شربوا عصارة الحياة لينقلوها إلينا في شكل حكايات (لوحة للفنان توفيق لبصير)

نقرأ في كتاب “حديث الشيخوخة”، للفنان والكاتب اللبناني الراحل عبدالحميد بعلبكي، مجموعة من الحكايات والقصص الشعبية التي يرويها لنا الكاتب، ملتقطاً فيها بحس فكاهة عال تفاصيل الحياة اليومية في جنوب لبنان وقراه، راسماً أمامنا صورة واقعية عن طبيعة الناس هناك، موظفاً السخرية أيضاً بوصفها وسيلة للانتقاد، لتكون هذه الحكايات تدويناً نقدياً بقالب فنيّ، وتكثيفاً لتجربة حياة طبقة منسيّة أو شبه منسيّة.

يروي لنا بعلبكي قفشاتها وفكاهتها بصورة كاريكاتوريّة تكشف عيوبها أحياناً وأحياناً أخرى نوادرها وحذلقاتها، سواء في علاقة الأفراد ببعضهم البعض أو في علاقتهم بالسلطة.

الحكمة الحياتية

تمتلك الحكاية في الكتاب، الصادر عن دار “هاشيت أنطون-نوفل”، والمصنف تحت خانة الأدب الشعبي، خواص تاريخيّة وثقافيّة، إلى جانب المضامين التي تتراوح بين الأسطورة، وبين الأحداث اليوميّة سواء المأساوي منها أو الكوميدي، أما عملية تدوينها فتحوّلها إلى خطاب ووثيقة شبه رسميّة ترسم ملامح ثقافة الهامش البعيدة عن تلك التي تنتمي إلى مراكز الأبحاث والاستبيانات الاجتماعية.

الحكايات في حديث الشيخوخة أشبه بمن يجلس في حفلة سمر ليلية، بين عجائز نحتتهم الحياة وقسوتها، سنوات طويلة ومفارقات كثيرة تختزنها الذاكرة، ليحضر صوت الراوي (الحكواتي) ليخبرنا عن النوادر التي شهدها أو سمعها، مصوراً لنا السذاجة أحياناً والحنكة أحيانا ً أخرى، فنحن أمام حكايات توظف الكوميديا والسخرية كسلاح نقدي بوجه الواقع المعيش.

النكتة أو الفكاهة أحياناً لا تنشأ إثر قلة حيلة أحدهم، بل نتيجة انتشار الجهل والأميّة والفقر، ليكون الضحك في الكثير من الأحيان لا “على” الشخص، بل “معه”، مع لوعة وغضب نتيجة تردي الوضع الاقتصادي والاجتماعي.

الحكاية تمتلك خواص تاريخية وثقافية ومضامين تتراوح بين الأسطورة والأحداث اليومية الكوميدية والمأساوية

نحن نسمع في الحكايات خطاب الهوامش، الذي لم يدخل بعد ضمن الأشكال الرسمية للسرد والتدوين، إذ يحضر مشافهة، وكأن التدوين الذي يأتي لاحقاً هو محاولة لخلق القواعد، وبالتالي فرض القيمة، ووضع المعايير، وهذا ما يكسب الحكايات الشعبيّة أصالتها، فهي ترتبط براويها وشخوصها، وهي ذات بنى متشابهة تختلف حسب الراوي والسياق والشخوص، وبالرغم من أن الراوي بعلبكي في بعض الأحيان يذكر قريته “العديسة” فإن بالإمكان أن تنطبق هذه المفارقات على أي مكان ما زال يحافظ على تراثه الشعبي وحكاياته.

المفارقة اللغوية

ما يميز حكايا بعلبكي أنها لا تنتمي فقط إلى المجال الجغرافي المحيط بالشخوص أو الراوي، فبعضها يدور خارج فضاء “القرية”، وانتقل إليها نتيجة الأسفار والسعي وراء الرزق، كحكايات عن رحلات خارج لبنان إلى الخليج وأميركا الجنوبيّة مثلاً في سبيل إيجاد الرزق، حيث نقرأ المفارقات التي شهدها المسافرون الذين عاد البعض منهم ليرووا لأهالهم وخلّانهم ما وقع لهم، ومن ثَمَّ تتحول حكاياتهم إلى عبر ودروس.

تحضر في القصص اللغة الشعبية وطبيعة التلاعب بها، فالمخزون التاريخي للغة الشعبية نراه محور بعض الحكايات، إذ تتحول حادثة ما إلى مثل شعبي نتيجة كلمة أو جملة قالها أحدهم، لتعود وتتناقل على الألسن، وبعضها ما زال حاضراً حتى الآن، فكأي حكاية شعبية هي تكتسب حضورها من لحظة رويها، كما تتبدل كلما رويت مرة بعد مرة، فكل راو يكسبها حيوية وبلاغة مختلفة، محافظاً على شكلها السردي، وعلى طبيعة المفارقة التي تحويها، ليأتي التدوين بعد ذلك بوصفه حدثاً مؤسساتياً، فالحكاية حاضرة على الشفاه، تدوينها لا يهدف إلى حفظها أو أرشفتها، بل إلى الحفاظ على بنيتها بوصفها انعكاساً لتكوينات اجتماعية مختلفة وطبيعة العلاقات بينها.

حكايات توظف الكوميديا والسخرية كسلاح نقدي بوجه الواقع المعيش

صدى الحكايات

لا تحضر أسماء حقيقية للشخصيات، فقط الأحرف الأولى، تاركة لنا حرية الجزم إن كان الذين تروى حكاياتهم شخوصا حقيقيين أم متخيلين، فتلويح الحكايات بالحقيقة يفسح أمامنا مجال المقارنة، إذ قد تكون إحداها قد سمعناها من قبل، أو شاهدناها في زيارة ما لقرية بعيدة، وخصوصاً أن الحكايات لا تنتمي إلى فترة زمنية واحدة، إنما تمتد على طول حياة الراوي، بعضها سمعه وبعضها شهده، إذ لا مرجعية للمقارنة والتحقق، وفي الأصل ليس هذا المطلوب حين سماعها، بل الفكاهة هي ما يهم؛ القدرة على خلق المفارقة أو روي النكتة لتبقى عالقة في الذهن، ولتتسلل لاحقاً إلى أحاديث أخرى وسياقات أخرى تساهم في خلق ثرائها.

ما يميز الحكاية الشعبية قدرتها على الانتشار دلالياً داخل “الكلام” غير الرسمي، هي لا مؤسساتية، تنتمي إلينا، وبمجرد سماعها نكتسب أحقية ملكيتها، فلحظة السرد هي لحظة تملّك أيضاً، الحكايات تنتقل “ملكيتها” إلينا بمجرد سماعها-قراءتها.

يشار إلى أن الفنان عبدالحميد بعلبكي من مواليد بلدة العديسة جنوب لبنان، فارقنا عام 2013 تاركاً وراءه تراثاً فنياً وأدبياً فزاخرا، إذ صدر له عدد من المؤلفات الشعرية منها “ورود لمثواها” و”ماذا يقول الليل” إلى جانب عدد من المؤلفات الأدبية منها “هكذا تكلم عبدول”.

14