حكايات طارق إمام الخرافية في مدينة الحوائط اللانهائية

القاص المصري طارق إمام ينهل من نبع "ألف ليلة وليلة" في مجموعة قصصية جديدة.
الأحد 2018/05/06
كتاب ألف ليلة وليلة مايزال مصدرا ثريا للكتاب العرب

لا يستعير طارق إمام في مجموعته الجديدة “مدينة الحوائط اللانهائية” الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية 2018، عوالم وأجواء ألف ليلة وليلة الغرائبية. وإنما أيضًا يستعير المعمار البنائي الذي نهضت عليه ألف ليلة وليلة؛ حيث توالد الحكايات وتناسلها، واستحضار الشخصيات بسماتها الشكلية الغريبة فتطَّرد الوجوه المشوَّهة والأطراف المتحركة، والعيون المطموسة. وأيضا بسماتها الداخلية، فتغلب على الشخصيات صفات الدهاء والحيلة والمكر والخديعة للوصول إلى مآربها.

إضافة إلى ذلك استعارته تقنيات حكي شفاهية، تعتمد على استحضار مرويه، تارة للفت انتباهه للحكاية وأحداثها فيشاغبه قائلاً “يمكنك أن تشاهد” و”الحكاية تبدأ” و”في البداية”. وتارة يتخيّلها تحاوره فيجيب على تساؤله بيقين “نعم، كانت تحكي لها أسرارها كي لا تشعر العصا بالملل” أو “نعم، كانت الطّاهية الشَّابة أكثر شخص يخشاه الناس في المدينة”.

وتارة ثالثة دعوته لمشاركته الحكي وتخيل الحكاية قائلا “لنتخيل معًا، أن شخصًا ما في مكان ما”. أو بحضور صيغ الحكي عند الراوي الشعبي الذي يُروِّج لحكايته في الأدبيات الشعبية هكذا “بلغني حدث ذات يوم” و”كان يا مكان” و”في يوم من ذات الأيام” و”يُروى أنّ” و”يُحكى أنّ”، أو بإثارته لتشويقه في منتصف الحكاية وفق قوله “لطباخة السّم حكاية عجيبة” أو من قبيل “باختصار هذه حكاية الجارية في حياتها” أو “هذه حكاية المرأة التي ترتدي فستانا أسود فوق الركبة حدادًا على لا أحد”، وغيرها من أساليب وتقنيات حكائية تمزج بين القصّ الشّفاهي وقصّ الليالي.

طارق إمام لا يعمد إلى استعارة الليالي أو حتى محاكاتها في حكايات عصرية، وإنما يخلق حكاياته الخاصة، وإن كانت على غرار هذا العالم الغرائبي والخيالي

وهكذا يأخذنا الكاتب عبر هذه الحكايات في رحلة من عالم التخييل والغرائيبة، وكأنه لا فقط يستعيد أجواء القص، وإنما يستعيد أيضا الجانب الخيالي، الذي غاب كثيرا عن فن القصة بصفة عامة، بطغيان الواقع والاهتمام بتفاصيل المعيش والحياة اليومية، الذي جعل من الكتابة السردية في مجملها أشبه باليوميات. ومن ثمَّ تأتي أهمية هذه النصوص في كونها انتصارًا لملكة الخيال التي هي قرينة القصّ.

أجواء الليالي

مع هذا الحضور الطاغي للصيغ السَّردية التراثيّة والأجواء الغرائبيّة إلّا أنَّ طارق إمام لا يعمد إلى استعارة الليالي أو حتى محاكاتها في حكايات عصرية، وإنما يخلق حكاياته الخاصة، وإن كانت على غرار هذا العالم الغرائبي والخيالي، وموازية لما كان يدار في الليالي من ألاعيب وأحاجي وألغاز ومغامرات وتشويق يصلُّ إلى حدِّ الإدهاش في كثير من القصص التي تنتهي نهايات تصيب قارئها بالصدمة. ومن ثمَّ يؤسّس لهذا العالم الذي يأخذنا إليه، مدينة أسطورية قرَّر أهلها أنْ تكون بيتًا رغم خصام الدم فحطَّموا حوائط بيوتهم، وصنعوا أربعة حوائط هائلة لتصير مدينة هائلة عنوانها “مدينة الحوائط اللانهائية” مدينة أسطورية بلا أزمنة فالمواقيت فيها لا تعرف الساعة، وإنما تتحدّد بشروق الشمس وغروبها ومواعيد الصلوات الخمس. كما أنها ذات شوارع متاهية ضيقة لا يتسع الشارع فيها لمرور شخصين متجاورين، “تبدو امتدادًا لأهالي المدينة، متشابهة إلى حدِّ التطابق وفي الوقت ذاته متوحدة”. أما بيوتها فهي “بلا أبواب”، وسكّانها الأصليون نساء ورجال ينحدرون من أب واحد وأم واحدة، كما يقصدها غرباء وإن كانوا جميعًا ممن يؤمنون بالخرافات، وكلام السّحرة، وتحركهم الغيبات.

تنقسم المجموعة المكوّنة من ستة وثلاثين نصًا، إلى ثلاثة أقسام، خُصّ القسم الأول بحكايات نساء مدينة الحوائط، على اختلافهن فهناك المرأة ذات العين الواحدة، والقرصانة، والسّاحرة المُعمّرة، والجارية والعصا الملعونة، والعاهرة التي باعت شعرها ليلا، وطباخة السّم، وصولا إلى امرأة ديسمبر. وتشغل حكايات القسم الثاني، عالم الرجال فهناك الرجل الذي لم يحلم أبدا، والإسكافي المجنّح، وساعي البريد والرّجل الذي قرّر ألّا يصير وحيدا والعجوز الذي يتذكّر المستقبل، وإن كانت هذه القصة يجب أن تندرج تحت غرباء مدينة الحوائط، فهو جاء إلى المدينة قبل شهرين ولا يفعل شيئا إلا تصوير المدينة من أعلى إلّا أنه عشق الفتاة ذات السبعة عشر عاما.

وبالمثل حكاية الشبح الذي يبحث عن جسد حبيبته، وحكاية البحّار الذي يخشى الغرق في البرّ، وحكاية الصوت الهارب وغيرها. أما حكايات الجزء الثالث فهي عن غرباء قدموا إلى المدينة مثل: المسافر والسّقا وبائع المعجزات وبائع الساعات، وصاحب الحجرات التي لا تطفأ أنوارها. والرجل العجوز من الورق المقوى، وقراصنة نهاية العالم وغيرهم.

متتالية غرائبية

حضور طاغ للصيغ السَّردية التراثيّة والأجواء الغرائبيّة
حضور طاغ للصيغ السَّردية التراثيّة والأجواء الغرائبيّة 

تتميز المجموعة بوحدة الموضوع وأيضًا الشخصيات والمكان، فالإطار الحكائي يدور في مكان واحد هو هذه المدينة الأسطورية التي تأسّست على القتل. ومن ثم تراوح المجموعة بين بنية القصة القصيرة حيث إمكانية استقلال كل قصة على حدة، وبنية المتتالية حيث استمرار عناصر السّرد الأساسية، في القصص جميعها، وهيمنة الجو الغرائبي والشخصيات الأسطورية، وكذلك تيمات البحث والفقد في كثير من هذه النصوص. كما أن حكايات الجزء الثاني في بعضها أشبه بتتمة للحكايات الناقصة في نساء مدينة الحوائط وفي بعضها تأتي على النقيض من الحكاية الأولى، على نحو قصة العجوز الذي يتذكر المستقبل هي نقيض تمامًا لحكاية امرأة ديسمبر المرأة التي تتغذّى على حكايات الماضي. وبالمثل حكاية الشبح الذي يبحث عن حبيبته هي استكمال لصورة الحبيب المفقود في حكاية المرأة القرصانة.

لا تقف الحكايات عند الغرائبي والعجائبي أو حتى السّرد عند شخصيات تمتلك صفات غرائبية كعالم المدينة ذاته، أو حتى في تمثّلها لاستعارة كنائية في مثل قديم، وحكايات شعبية متداولة جرت مجرى الأسطورة. وإنما وراء كل حكاية من هذه الحكايات رسالتها التي يبثها الراوي عبر هذا السرد الفنتازي، والحكايات الأشبه بالخرافية، فالحكايات أشبه بأمثولات وعظية تحمل قيمًا، فتأتي بعض القصص للانتصار لأمثولات رائجة في الثقافة الشعبية. كأن تعلن بأن “الماء فيه حياة الإنسان ومماته” كما في قصة المسافر الذي أراد أن يشرب ولكنه غرق لأنه لم يبال بالتحذير.

وقصة ذيل الثعبان فالحكايات والأمثولات كثيرة عن التحذير من ترك رأس الثعبان، ويوظِّفها الرَّاوي في سياق حكاية يؤكّد فيها على ما ذهبت إليه المرويات الشعبية. كما تنتهي القصص برسائل مُشفَّرة، تكشف عنها نهايات هذه القصص، وفي بعضها تأتي كانتصار لقيم اجتماعية وأخلاقية، ومن ثمّ فهي صالحة لأن تكون حكايات للجميع؛ فلا تنحصر عند فئة عمرية محددة.

فحكاية المرأة ذات العين الواحدة التي لا تمتلك إلا جبل الكحل الذي يزيد من جمال عينها وأيضا يصيب مَن ينظر إليها بالرعب، جعلها مثار غيرة من النساء، وهو ما دفعهن إلى الذّهاب إلى الجبل للاغتراف منه، حتى يحصلن على الخلود والحكمة اللتيْن تتميز بهما المرأة. أرادتْ أن تصرفهن عن مبتغاهن إلا أنهن أَبَيْن، لكن بحكمة المرأة وبصيرتها، كشفت عن حالة الطمع فهن يمتلكن الأزواج والأولاد والبيوت. أما هي فلا تملك شيئا سوى هذا الجبل.

وعندما لم يستجبن إلى كلام المرأة كانت الكارثة استيقظت النساء لتجد كل واحدة منهن أنها صارت بعين واحدة بيضاء في منتصف وجهها، بلا حدقات تسيل منها دموع حارقة على الدوام.

هنا يعود بنا الراوي إلى سؤال المعرفة الأولي، والسعي إلى طرقه رغم التحذيرات. اللافت أنّ الضَّررَ لم يقف عند حدود النساء بل أغرق المدينة كلها، حتى كادت أن تغرق بسبب سيلان ماء العين.

وبالمثل في حكاية البحث عن الآثار والعملات، القصّة تسخر من واقع المهووسين بهذا العالم، فيبحثون عن المجهول ويتركون ما بأيديهم، فالتعلُّق بالمجهول يحيل النِّساء الحقيقيات إلى هياكل ويتحوّل الهيكل إلى أنثى وحيدة، يعشقها الجميع وزوجة غير معلنة للجميع وأمًّا وحيدة للجيل الجديد الذي بزغ بملامح متشابهة إلى حد التطابق.

وفي إحدى القصص يكون الحب سببًا لإبطال مفعول سلالة من الساحرات، فصانع الفخار فضّل حياة الأرض عن حياة السّماء الممتدة ليعيش مع مَن يحب. والبحار الذي إذا حدّقت فيه الفتيات العاشقات يصبن بالعمى. وهو أشبه بميدوزا في الأسطورة.

غرائبية الشخوص لا تقف عند التكوين الخارجي، كأن تكون “بلا وجه” تماما كما في قصة بائع وجوه بلا وجه، أو حتى “وجه بحاجبين كثيفين تحت عينيه، وله أنف بلا ثقوب على الإطلاق” كوجه بائع المعجزات، أو بلا أبعاد كبقية البشر في صورة “رجل عجوز من الورق المقوّى”. وإنما أيضا في الأفعال الغرائبية التي تقوم بها فالهيكل العظمي المتيبس الذي عثر عليها أهالي المدينة عندما كانوا يبحثون عن قطع آثار مخبأة، أو عملات ذهبية، تدب فيه الحياة من جديد، وتمكّن بمفرده من ستر عورته.

كما أن الغرابة تأتي في الحكايات التي تحيط بالشخصية فالمرأة القرصانة التي اكتشف حملها ثم موتها غرقًا على سريرها في حين أن البحر بعيد عن البيت. وكما أقر الشهود: “أن البحر ذهب بأكمله إلى سريرها نائمة وعاد بها قاتلة” وبالمثل المرأة الساحرة اقتحم قاتلها المجهول منامها ودسّ خنجره في عنقها لتسقط دماؤها من السماء كأمطار غزيرة. وكذلك بالتئام القارورة الفخارية وامتلائها بالدموع كما في قصة “حكاية الساحرة المعمرة”. بل تصل غرائبية العالم إلى منتهاه في حكاية “امراة ديسمبر” التي تعيش العام الجديد كله وهي تتغذّى على ذكريات الناس.

غرائبية الشخوص لا تقف عند التكوين الخارجي، كأن تكون “بلا وجه” تماما كما في قصة بائع وجوه بلا وجه، أو حتى “وجه بحاجبين كثيفين تحت عينيه، وله أنف بلا ثقوب على الإطلاق” كوجه بائع المعجزات

وبالمثل غرائبية الرجل الذي لم يحلم في حياته قط. معظم الشخصيات أسماؤها غائبة، وتطل الصفة التي اشتهرت بها، فهذه الساحرة، وهذه العاهرة وتلك طباخة السّم. وهذه زوجة الصائغ والعرافة وغيرها من الألقاب التي حلّت محلّ الاسم. وبالمثل الشخصيات الذكورية، الصائغ وصانع الفخار وهكذا. وعدم الاعتناء بالاسم الشخصي له دلالته، فالفعل هو الأكثر التصاقًا بالذاكرة، فالمرأة التي تغني حيّة، وما تبقى منها محض حكاية قديمة ستظل إلى الأبد قابلة لأن تُحكى.

لا تختلف قوانين هذه المدينة الأسطورية عن قوانين المدينة المفارقة لها، فعلاقات الزواج تتمُّ عن طريق التكافؤ، وإذا لم يحدث فيصير أشبه بالمستحيل كما في حكاية المرأة التي صارت قرصانة وكانت تحب شابًا إلا أنّ أسرتها الثرية رفضت هذا الزواج، فتحوّلت إلى قرصانة غاضبة تفتك بكل السُّفن في البحار الهائجة، أما هو فهجر البحر ولا أحد يعرف إلى أين ذهب. كما أن الحب هو الهمّ أو الموت الذي تعانيه الشخصيات، فالبحار كان يعيش في أسطورة “أن الحب موته”.

11