"حكايات كورية" أساطير عميقة وقصص حكمية وأخرى تاريخية

إن سر عنايتنا بما تركه الأولون هو بحثنا عن الحكمة وتنمية بواعث العطاء، فضلا عن معرفتنا بمن نكون من منظور أننا امتداد لهم، ولا يمكن بحال من الأحوال، في ظل التقدم الراهن على مختلف الأصعدة، أن ننكر حاجتنا الملحة إلى بداهتهم وولوج عوالمهم بكل بساطتها ووضوح تكويناتها اليوم.
السبت 2016/10/08
الإبداع الفردي الكوري منفتح على التاريخ الإنساني

“حكايات كورية ين نال..ين نال” كتاب يشكل مختارات من حكايات الكوريين الأوائل التي تحمل خبرات الوعي الإنساني والثقافي للإنسان الكوري وعلاقاته بالطبيعة والكون وأيضا علاقاته بالحضارات والثقافات الأخرى، اختارها وترجمها حسن عبده، الذي يعيش في العاصمة الكورية الجنوبية سيول، ويقوم بتدريس اللغتين العربية والإنكليزية، وقدم لها محمود عبدالغفار مدرس الأدب المقارن بكلية الآداب جامعة القاهرة بدراسة مهمة حول الأدب الكوري وعلاقاته الثقافية والحضارية بالعالم.

يؤكد عبدالغفار في تقديمه للكتاب، الصادر عن دار صفصافة للنشر، أن الإبداع الفردي الكوري منفتح على التاريخ الإنساني وحضارته وبخاصة في تشابكه المذهل الذي قد يظل التاريخ صامتا أمامه حتى يكتشف من الوقائع والحقائق الملموسة ما ينطقه. ذلك الانفتاح المؤسس على وعي عميق ومدهش بأدق تفاصيل التاريخ الكوري قديمه وحديثه في أعمال الشاعر الشهير كو أون، الذي رشح لسنوات طويلة لجائزة نوبل للآداب، وهو ممن يستحقونها بالفعل، ففي قصائده، وفي الشعر الكوري الحديث، إشارات متواترة عن اتصال كوريا بالعالم العربي، فهناك مفردات: الحرير، الزخارف، الأولون، الصحراء العربية، الأوز العراقي وغيرها.

أما على مستوى الإبداع الجمعي فيرى عبدالغفار أن المسألة أشبه بقطع الآثار التي تزداد قيمتها بمرور الزمن. فما تتركه الشعوب من أساطير وحكايات تتناقلها الأجيال بزمن يحسب بالقرون أمر يبقى مرجعا لا غنى عنه في التعرف عليها وعلى الطريقة التي رأت بها نفسها في علاقاتها بالكون وكل ما فيه ومن فيه في الوقت نفسه.

ويشير إلى أن الطقوس والسحر وميلاد الطفل البطل والكثير من خيالات الحكايات الخرافية التي نقلها الكتاب أمر لا يحتاج إلى شرح فلكلوري فحسب، وإنما يحتاج كذلك إلى الكشف عن الجذور التي ينبع منها، بمعنى الكشف عن تلك الاهتمامات الروحية التي دفعته إلى الظهور. فالأسطورة الكونية وأساطير الأخيار والأشرار والحكاية الخرافية والحكاية الشعبية وغيرها من الأشكال الأدبية الشعبية تقوم بهذا الدور.

في ضوء هذه المعاني دعا عبدالغفار القارئ إلى تأمل الحكايات الواردة في هذا الكتاب ووضعها باستمرار في سياق النتاج الفني الذي يجسد محاولة الكوريين الأوائل في تأمل الكون وما فيه. يقول “يمكن هنا التمثيل بتلك الحكاية البسيطة المعبرة”.

في الحكايات نتابع أسطورة تأسيس المملكة الكورية قبل الآلاف من السنين. ولم يكن الإنسان البدائي يتساءل عن وجود الآلهة في حد ذاته، ولكنه تساءل عنها بوصفها المصدر الأول للظواهر الكونية والمنظم لها خلال رحلته لتفسير أو إرجاع الظواهر الكونية كالرعد والبرق والمطر والإنبات والجدب إلى مصادرها محاولا تعليل وجودها أو غيابها.

إن الأسطورة باختصار عملية إخراج لدوافع داخلية في شكل موضوعي بغرض حماية الإنسان من دوافع الخوف والقلق الداخليين. ومن هنا تولد حب الشمس وتقديسها إلها للنور ونظر إلى الظلام باعتباره كائنا شريرا تصارعه الشمس باستمرار. لدينا هنا مثال قصة «الضفدع العنيد» من بين هذه الحكايات الكورية، وهي حكاية تكشف عبر التمثلات الرمزية لعناصرها، ومن خلال التعالي على أطر المكان والزمان معا، عن أمرين أساسيين، الإنصات المتعقل للصوت الناصح بعد فوات الأوان وعواقبه، ومحاولة تفسير ظاهرة نقيق الضفادع في ضوء البحث عن الحزن أو لنقل الألم العميق الذي تجلبه النفس البشرية أو الكائنات الحية لذاتها جراء أفعالها.

ولفت عبدالغفار إلى العلاقة بين كوريا والعرب مؤكدا عمق العلاقة التاريخية بينهما، فعلى المستوى التاريخي، تذكر المصادر التاريخية أن قائد الجيش كوسيان جي هو أول كوري اتصل بالعرب، فوالده كو ساغاي كان قائد الجيش الذي استسلم لإمبراطورية تانج الصينية بعد سقوط مملكة كوكوريو، وصار ابنه كوسان جي قائدا في إمبراطورية تانج وقاد حملة ضد جنود أبي مسلم الخرساني في شرق آسيا عام 751 ميلاديا، ولكنه انهزم وصارت آسيا الوسطى منطقة إسلامية. أما في الأساطير الكورية فهناك إشارات إلى اتصال العرب بكوريا منذ قرون، وهو ما عبرت عنه إحدى الأغنيات القديمة التي حكت عن التاجر العربي الذي قدم إلى كوريا وتزوج منها وعاش فيها.

17