حكايات لا تعرفها الجدات

السبت 2015/02/07

ستنتهي الحرب قريبا، سيرحل الأعداء محملين بخيباتهم وأصابع الديناميت التي فقدت صلاحيتها، سيفصح الصباح الجديد عن قوس قزح لا يكحله الرماد، ستكف الأمهات عن البكاء، ويستعيد الغياب مشهد عودة الجنود المعفرين بغبار المعركة الأخيرة، سيكف البرد مخالبه عن ملامح اليتامى ويأخذ الموت استراحة قصيرة بين أشواط النحر والسلخ والحرق والتقطيع، سيطبق الخوف أجفانه على وجع أخير، وتموت الأحقاد والنهايات، سيصدح غناء القلوب الحزينة بأغنية جديدة، ويقطع حبل الود أحقاد الماضي، ستطعم الأسرة المنكوبة وجبة ساخنة لصغارها الجياع، وتستعيد العصافير دفء حناجرها، ستحافظ الابتسامة الذابلة على تضاريسها، وتستعيد الجغرافيا وجه القبيلة، سينزع الوجوم أقنعته عن ملامح تلاميذ المدارس ويرتدي اليوم بزة العمل استعدادا لبداية أخرى، ستنفض أوراق الخريف صفرة نحيبها ويستعيد الأمل وعيه بعد أن مكث طويلا في حجرات العناية الفائقة.

لكنها حكايات ما زالت معلقة بحبال الوهم، حكايات لن تجد حبرا يدوّن سطورها الباهتة، حكايات لا تعرفها الجدات الطيبات ولا يستسيغها الصغار المتحلقون حول مدفئة مطفأة تناثر رمادها الأخير، حكايات تشبه رجلا عجوزا تمكن منه الجوع حتى أصبح علامة فارقة في روحه، ولأنه استطاع – بضربة حظ- الإمساك بطائر العندليب، فقد أعد لنفسه حلما جميلا يرى فيه العندليب وهو يتقلب في جحيم الموقد استعدادا لوليمة عشاء ويرى نفسه وهو يقطع اللحم الشهي بأسنانه ويستمتع بمذاق الطائر، بعد أن مل سماع تغريده الذي لا يطرب جوفا جائعا.

لكن العندليب الوسيم، الداهية، الذي لم يشأ أن ينهي الحكاية على شاكلة أحلام الجوعى، قرر أن يحيك نهاية أكثر سحرا من صوته، وكان يتمتع بذكاء فريد وسرعة بديهة قل مثيلها بين بني البشر، لذلك أسرع وباغت الرجل العجوز بطلب بدا غريبا، وقال له: لماذا لا تطلق سراحي وسأمنحك في المقابل شيئا أثمن من الذهب؟ أطلق الطائر لغزه الغريب هذا، مستغلا جهل العجوز وحاجته إلى الطعام وضجره من الواقع المقيت الذي لا يريد أن يتغير. ولهذا، سرعان ما صدق حدس العندليب، حيث بادره العجوز هذه المرة بسؤاله الفضولي: وهل هنالك ما هو أثمن من الذهب؟ فأجاب العندليب، وهو يتململ ويحاول أن يخلّص نفسه من ملمس أنامل العجوز الخشنة قائلا: ثلاث نصائح ثمينة أغلى من الذهب، شرط أن تطلق سراحي.

وعندما تردّد العجوز غير مصدق لكلام الطائر، باغته العندليب ودحرج نصيحته الأولى، فكانت لا تجرب المستحيل، وعندما لم يحرك العجوز ساكنا تبعه العندليب بالنصيحة الثانية التي تقول: لا تتحسر على ما فات، ثم صمت.

بلغ الفضول حدا لا يطاق في نفس العجوز التواقة إلى تصديق الوعود التي لا تحفظ عهدها، فتململ قليلا وحاول أن يطلب من العندليب – بلكنة آمرة- أن يسعفه بالنصيحة الثالثة، لكن العندليب امتنع عن الإجابة وبقي ساكنا بلا حراك زمنا خاله الرجل العجوز دهرا طويلا.

وأخيرا قرر الطرف الضعيف إطلاق سراح الطائر أملا في أن يجد بطيات النصيحة الثالثة: الذهب الذي وعده به، لكن العندليب المنتصر تحيّن الفرصة فرمى بنصيحته الثالثة على عجل وهو يحاول الطيران بعيدا عن قبضة العجوز الجائع وصار يقول: أيها العجوز الغبي نصيحتي الثالثة لك ألا تصدق حكاية بعيدة المنال!

21